
عوض ضيف الله الملاحمة
بداية لا بد من تعريف كلمة ( معلومة ) :— المعلومة هي البيانات التي تمت معالجتها وتنظيمها لتصبح ذات معنى وسياق محدد ، بحيث توفر معرفة جديدة او تؤكد حقائق سابقة ، مما يساعد في اتخاذ القرارات .
ثم لابد من تعريف كلمة ( إفصاح ) :— الإفصاح عن المعلومة هو الكشف الرسمي عن المعلومات الهامة والجوهرية ، سواء كانت مالية او غير مالية ، التي قد تؤثر على قرارات اصحاب المصلحة ، ويهدف منها تحقيق الشفافية ، ، وبناء الثقة ، وتمكين الأطراف المعنية ، مثل المستثمرين والدائنين في إتخاذ قرارات مستنيرة .
المعلومة سلاح خطير ، وإمتلاكها قوة ، وتمكُّن ، وسيطرة ، ونفوذ . إمتلاك المعلومة يمكن ان يقود للنجاح ، وربما النصر ، والتسيد .
من يمتلك المعلومة هو الأقوى . لكن الأهم من إمتلاك المعلومة الذكاء في كيفية إستغلالها ، وتوظيفها ، واستخدامها . فإذا لم يكن التوظيف حصيفاً ، ربما تنقلب الأمور عليه او ضدّه ، فتتحول من نعمة الى نِقمة . ومن سلاح قوة الى وسيلة ضعف وهوان وخسران .
الوقت ، والزمان ، والمكان ، وطريقة الإفصاح ، وشخصية من يمتلك المعلومة ، وإدراكه لأهمية توظيفها ، هي العناصر التي تحدد وتفصل بين النجاح والفشل .
اذا كان الإنسان حصيفاً ، لا يعني له إمتلاك المعلومة ضرورة البوح بها ، او الإستعراض ، والمتاجرة بها ، والإفصاح عنها .
وكلما زادت أهمية او خطورة المعلومة لا يعني ضرورة البوح بها والإفصاح عنها ، وإستغلالها ، لكسب موقف ، او تحقيق إنتشار ، او إشباع الرغبة في حب الظهور .
في أحايين كثيرة ، ربما تدفع أهمية المعلومة الى عدم الإفصاح عنها ، لانه ربما يكون الويل والثبور وعظائم الأمور تكمن في الإفصاح عنها .
كما علينا ان لا نكتفي وننشغل بالصدمة التي تثيرها المعلومة . فالصدمة أنواع ، منها صدمة إيجابية ، وهناك صدمة سلبية قد يكون لها إرتدادات مجتمعية ليست محمودة . كما ان الإفصاح غير الحصيف يمكن ان يضر بمن أفصح .
لاحظت في السنوات الأخيرة تسابق العديد من المسؤولين السابقين والحاليين على التصريح ، والإفصاح عن معلومات ، لو تريثوا قليلاً ، وعدّوا للعشرة فقط ، لوجدوا ان في التستر عليها خير عميم تجنباً لآثار إجتماعية قد تترتب على هذا الإفصاح .
كثيرون ممن أتاحت لهم المواقع الرسمية التي شغلوها معرفة بعض الأسرار او المعلومات معرفة سطحية وساذجة احياناً ، يستغلونها للعودة للواجهة وتصدر وسائل التواصل الإجتماعي .
فكرت كثيراً في التصريح الذي أصدره رئيس هيئة الخدمة المدنية والإدارة العامة . عندما أطلق تصريحاً ، قال فيه : (( ان المولود اليوم سيحتاج الى ( ٧٣ ) عاماً لينال وظيفة حكومية .. الخ )) . وغاب عن باله ان القطاع العام يُشغّل سنوياً نسبة بسيطة مقارنة مع القطاع الخاص الذي يخلق وظائف سنوية تقدر بنسبة ( ٧٦٪ ) .
بعضهم يفصح ليرتاح ، بينما يظهر غير ذلك بعد الإفصاح فيكون الإفصاح وبالاً عليه .
أتمنى على كل من يمتلك المعلومة ان يكون متعقلاً ، رزيناً ، هادئاً ، لأن التهور في اطلاق العنان للتصريحات ينم عن عدم النضج الكافي لتولي هكذا مسؤولية رسمية .
ألم تعلم منذ البداية ان تصريحك لا جدوى منه ، وانه لا يحل مشكلة البطالة بل يعقدها ، وانه لا ينبيء بخير وانك تناولت موضوعاً يؤرق الوطن والمواطنين وانك لا تبشر بخير بل بشر مستطير ، وان تجنب التصريح افضل من الإقدام عليه وانك دخلت عش الدبابير . وانك اظهرت سوداوية مطلقة ومطبقة . وانك اطلقته دون علم وتمكن . هل تعلم بخطة الحكومة لحجم التوظيف طيلة العقود السبعة القادمة التي صفعتنا بها ؟ هل تعلم بحجم توظيف القطاع الخاص وهو المشغل الرئيسي للعمالة ؟ هل تعلم بحجم العمالة التي تغادر الوطن الى كافة أصقاع الأرض ؟ هل تعلم بحجم المتقاعدين خلال السبعة عقود وحجم الإحلال الوظيفي بدلاً منهم ؟ هل أنت يائس من إستقرار المنطقة مما يشجع على زيادة الإستثمار ؟ هل أنت يائس من إقدام الحكومات القادمة خلال السبعة عقود من القيام بإنشاء مشاريع إستثمارية إستراتيجية كبرى ؟
وعلى صعيد التوظيف في القطاع العام ، ربما انك تعلم ان أكبر وزارتين تزداد كوادرهما بإضطراد ، هما وزارة التربية ووزارة الصحة . هل أخذت بالحسبان ان عدد المدارس يزداد بإستمرار ، كما ان توسعة الصفوف ، وفتح شُعب جديدة يزيد من حجم توظيف وزارة التربية ؟ كما ان وزارة الصحة أيضاً تشهد توسعة وزيادة في عدد المستشفيات ، والمراكز الصحية ، وان ذلك يستوجب زيادة مستمرة في التوظيف . يضاف الى ذلك الإزدياد الملحوظ لدى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية ، كما لابد ان نأخذ إزدياد الطلب على التوظيف في الوزارات والدوائر الحكومية المختلفة . هل أخذت بالحسبان الطلب الخارجي المتزايد على العمالة الأردنية؟
ألم تعلم انك بثثت وركزت اليأس بل الرعب في نفوس الأردنيين ؟ الم تعلم بانك قلت للأردنيين بشكل غير مباشر انه لا فائدة من تعليم ابنائكم ؟ الم تعلم بانك صفعتنا دون رحمة وربما بجهل وليس بعلم خبير ؟
الم تعلم بان كارثة الوطن وسبب غالبية مديونيته والعجز الذي يترتب عليها تأتى بسبب الهيئات المستقلة التي ترأس إحداها ؟ الم تعلم بان الهيئة التي ترأسها ومعها شقيقاتها ( بنات الحرام ) من الهيئات الاخرى تمت صناعتها للتنفيع ؟
هل معلومتك نتجت عن بيانات تمت معالجتها ؟ وتنظيمها ؟ وهل اتت معلومتك بمعنى وسياق محدد ؟ وهل اكدت حقائق سابقة ؟ وهل ساعدت في اتخاذ قرار ما ؟
وعليه هل إفصاحك أثّر على قرارات الجهات المسؤولة ؟ وهل تحققت الشفافية ؟ وهل تم بناء الثقة بين المواطن والحكومة ؟ وهل ساهمت في تمكين المستثمرين والدائنين ؟
صدق من قال : (( إذا كان الكلام من فضة ، فإن السكوت من ذهب )) .






