انتحار الطلبة: جرس إنذار وطني لا يحتمل التأجيل

بقلم: إياد عبد الفتاح النجار
الأمين العام لحزب القدوة الأردني
لم يعد الحديث عن ظاهرة الانتحار بين الطلبة ترفًا إعلاميًا أو نقاشًا هامشيًا، بل أصبح قضية ملحّة تستدعي وقفة وطنية جادة ومسؤولة. فكل حالة تُسجّل ليست رقمًا عابرًا، بل إنذار واضح بوجود خلل عميق في المنظومة التعليمية والاجتماعية والنفسية.
إن الضغوط الأكاديمية المتزايدة، وغياب التوازن بين التحصيل العلمي والصحة النفسية، إلى جانب القلق من المستقبل، تشكّل بيئة طاردة بدل أن تكون حاضنة للطلبة. وهنا لا بد من التأكيد أن المسؤولية لا تقع على الطالب وحده، بل تمتد لتشمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع بأكمله.
ومن المهم التأكيد أن هذه الظاهرة لا تقتصر على تخصص دون آخر، كما يُشاع أحيانًا. صحيح أن طلبة الطب يواجهون ضغوطًا استثنائية بحكم طبيعة دراستهم، إلا أن ذلك لا يعني حصر المشكلة في هذا الإطار. فواقع الحال يُظهر أن الضغوط النفسية تمتد إلى مختلف التخصصات، سواء كانت علمية أو إنسانية، نتيجة عوامل متعددة مثل القلق من المستقبل، وصعوبة المناهج، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية. وعليه، فإن التعامل مع هذه القضية يجب أن يكون شاملًا، قائمًا على فهم جذور المشكلة، لا على تصنيفها أو حصرها في فئة بعينها.
وتتحمل الجامعات بشكل خاص مسؤولية محورية لا يمكن التنصل منها. فدورها لا يقتصر على تقديم المعرفة، بل يتعدى ذلك إلى رعاية الطلبة نفسيًا واجتماعيًا. ومن غير المقبول أن تستمر بعض المؤسسات التعليمية في تجاهل أهمية الإرشاد النفسي، أو التعامل معه كخدمة ثانوية، في حين أنه خط الدفاع الأول لحماية الطلبة.
إن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات واضحة وصارمة، تبدأ بإنشاء وحدات دعم نفسي فاعلة داخل الجامعات، مزودة بكوادر مؤهلة، وتعمل بسرية ومهنية عالية. كما يجب إدماج برامج التوعية بالصحة النفسية ضمن الحياة الجامعية، وكسر حاجز الخوف والوصمة المرتبطة بطلب المساعدة.
ولا يقل دور الأسرة أهمية، إذ يتوجب عليها أن تكون أكثر قربًا ووعيًا بأبنائها، قائمة على الحوار والدعم لا على الضغط والتوقعات المبالغ فيها. كما أن على وسائل الإعلام أن تتعامل مع هذه القضية بمسؤولية، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاتفًا حقيقيًا بين الجامعات، والمدارس، والجهات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، لوضع استراتيجية وطنية شاملة تعالج الأسباب لا النتائج فقط.
ختامًا، إن حياة الطلبة ليست مجالًا للتجربة أو الإهمال، وأي تأخير في اتخاذ خطوات جادة سيُكلف المجتمع ثمنًا لا يمكن تعويضه. المطلوب اليوم ليس تشخيص المشكلة، بل اتخاذ قرار شجاع بالتحرك الفوري، لأن إنقاذ حياة طالب واحد هو إنقاذ لمستقبل وطن بأكمله.



