اليوم العالمي لحرية الصحافة… قراءة في واقع الكلمة وحدودها في الأردن

عدنان نصّار
في الثالث من أيار من كل عام، يقف العالم عند معنى حرية الصحافة، لكن في الأردن، لا يبدو هذا التوقف احتفاليًا بقدر ما هو تأمّل صريح في واقعٍ معقّد، تتجاور فيه النصوص التي تكفل حرية الرأي، مع ممارساتٍ تضع لهذه الحرية حدودًا غير مرئية.
في الدستور الأردني، تبدو الصورة واضحة: حرية الرأي مكفولة، والصحافة حرة ضمن القانون. لكن، وكما في كثير من التجارب، تكمن التفاصيل في تفسير “ضمن القانون”. هنا، تبدأ المساحة بالضيق تدريجيًا، وتتحول الحرية من أصلٍ ثابت إلى هامشٍ قابل للتأويل، يتأثر بالظرف السياسي، والاعتبارات الأمنية، وحساسية الملفات المطروحة.
الصحفي الأردني اليوم لا يعمل فقط في مهنة نقل الخبر، بل في ميدانٍ مليء بالتوازنات الدقيقة. هو مطالب بأن يكون مهنيًا، موضوعيًا، وجريئًا… لكن دون أن يتجاوز خطوطًا قد لا تكون مرسومة بوضوح. وفي هذا الغموض، تتشكل واحدة من أبرز التحديات: كيف تقول الحقيقة كاملة، دون أن تُغلق أمامك الأبواب؟
ولم تعد القيود، كما في السابق، محصورة في المنع المباشر أو الرقابة التقليدية. فقد دخلت أدوات جديدة إلى المشهد: تشريعات فضفاضة في بعض الأحيان، ضغوط اقتصادية على المؤسسات الإعلامية، وتحديات رقمية غيّرت طبيعة العمل الصحفي، حيث باتت المعلومة تتسابق مع الشائعة، وتضيع الحقيقة وسط ضجيج المنصات.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد بالسواد. فالأردن، مقارنة ببيئات أكثر قسوة، ما زال يحتفظ بهامشٍ يسمح بطرح قضايا جوهرية، وفتح نقاشات عامة، وإن بقي هذا الهامش بحاجة دائمة إلى الحماية والتوسيع. هناك صحفيون يكتبون، يحللون، وينتقدون… مدفوعين بإيمانٍ عميق بأن الصحافة ليست ترفًا، بل ضرورة.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتوقف عند حدود الصحفي وحده، بل يمتد إلى المجتمع والدولة معًا: هل نؤمن فعلًا بأن حرية الصحافة جزء من قوة الدولة لا ضعفها؟ وهل نرى في النقد فرصة للإصلاح، أم تهديدًا يجب احتواؤه؟
في الأردن، حيث تتقاطع التحديات الاقتصادية مع التحولات السياسية والإقليمية، تصبح الحاجة إلى إعلام حر ومسؤول أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. إعلام لا يكتفي بنقل الرواية، بل يطرح الأسئلة، ويضيء الزوايا المعتمة، ويمنح المواطن حقه في المعرفة.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نُعيد التأكيد على أهمية حرية الصحافة، بل يجب أن نعيد تعريف حدودها… لا بوصفها قيودًا تُفرض، بل مساحةً تُصان. لأن الكلمة، حين تُحاصر، لا تختفي… لكنها تفقد قدرتها على الإضاءة.
والصحافة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مهنة تُمارس، بل مسؤولية تُحمل.
وفي الأردن، كما في كل مكان، ستبقى قوة الكلمة مرهونة بمدى قدرتنا على حمايتها… لا الاحتفاء بها فقط.



