
الهوية الوطنية الأردنية.. من الشعار إلى السلوك
قراءة في مبادرة تسعى إلى تحويل الانتماء الوطني من مفهوم وجداني إلى ممارسة مجتمعية
آفاق نيوز :كتب رئيس التحرير
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتزداد فيه مساحة التأثير التي تمارسها وسائل التواصل الاجتماعي على وعي الناس واتجاهاتهم، تبدو مسألة الهوية الوطنية أكثر من مجرد شعار يُرفع في المناسبات؛ إنها قضية تتصل مباشرة بقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه، واستحضار ذاكرته، وتعزيز شعوره بالانتماء.
من هذا المنطلق تأتي مبادرة «الهوية الوطنية الأردنية» بوصفها محاولة لبناء منظومة وطنية متكاملة، لا تكتفي بالحديث عن الانتماء، وإنما تسعى إلى تحويله إلى قيم وسلوك ومشاركة فعلية في الحياة العامة.
وتنطلق المبادرة من فكرة أساسية مفادها أن الهوية الأردنية تستمد قوتها من تاريخ البلاد وإرثها الثقافي والاجتماعي، ومن نسيجها المجتمعي والجغرافي، ومن القيم التي تشكلت عبر مسيرة الدولة والمجتمع. ولذلك تضع المبادرة أمامها هدفاً واضحاً يتمثل في ترسيخ الاعتزاز بالانتماء، وتعزيز الوحدة الوطنية والأمن المجتمعي، وتأكيد الالتفاف حول الدولة وقيادتها.
الهوية ليست ماضياً فقط
اللافت في المبادرة أنها لا تتعامل مع الهوية باعتبارها استعادة للماضي فحسب، بل تحاول ربط الموروث الأردني بالواقع المعاصر.
فإبراز العادات والتقاليد والتراث الثقافي لا يأتي هنا باعتباره حالة فولكلورية، وإنما باعتباره جزءاً من الذاكرة الوطنية التي يمكن توظيفها في بناء وعي جديد لدى الأجيال، خصوصاً الشباب.
وهذا يفسر تعدد المحاور التي تتحرك من خلالها المبادرة، والتي تشمل الثقافة والتعليم والإعلام والشباب والمجتمع والاقتصاد والسياسة والسياحة، إضافة إلى الأمن المجتمعي. وهي مقاربة تقول، بصورة غير مباشرة، إن الهوية الوطنية لا تُبنى من خلال قطاع واحد، وإنما من خلال تفاعل مؤسسات المجتمع المختلفة.
الشباب في قلب المشروع
ربما يكون وضع الشباب في صلب المبادرة من أهم عناصرها؛ فالشباب ليسوا مجرد جمهور مستهدف بالرسائل الوطنية، بل يُراد لهم أن يكونوا جزءاً من عملية إنتاج هذه الرسائل ونشرها.
وتتحدث المبادرة عن تمكين الشباب والقيادات المجتمعية وتدريبهم على مهارات الاتصال والتأثير، ليصبحوا سفراء فاعلين للوعي الوطني، وهو توجه ينسجم مع حقيقة أن مساحة التأثير الأكبر اليوم انتقلت بدرجة كبيرة إلى الفضاء الرقمي والمنصات الاجتماعية.
ومن هنا يأتي التركيز على إنتاج محتوى وطني مؤثر، قادر على الوصول إلى مختلف الفئات بلغة حديثة وتفاعلية، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب التقليدي.
من الخطاب إلى الممارسة
أهم ما يمكن التوقف عنده في المبادرة هو محاولتها تجاوز مفهوم الخطاب الوطني التقليدي.
فالهدف المعلن ليس فقط إنتاج رسائل وطنية، وإنما تحويلها إلى ممارسات وسلوكيات مجتمعية تعزز الانتماء والوحدة الوطنية والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وهذه النقطة تحديداً هي الاختبار الحقيقي لأي مبادرة من هذا النوع؛ إذ إن نجاحها لن يقاس بعدد الفعاليات أو حجم المواد المنشورة، وإنما بقدرتها على ترك أثر ملموس في سلوك الأفراد، وفي علاقتهم بالمجتمع والدولة، وفي قدرتهم على التعامل الواعي مع الاختلاف والشائعات والتحديات التي تواجه المجتمع.
التراث والاقتصاد والسياحة
تتجاوز المبادرة البعد المعنوي للهوية إلى أبعاد اقتصادية وسياحية أيضاً.
فهي تطرح فكرة دعم المنتجات الوطنية والمشاريع التراثية وربطها بالهوية الأردنية، إلى جانب الترويج للأماكن التاريخية والثقافية وربطها بالسردية الوطنية.
وهنا تتحول الهوية إلى مورد يمكن أن يساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي والسياحة الوطنية، ويمنح الموروث الأردني قيمة تتجاوز حدود الذاكرة إلى التنمية والاستثمار.
هيكل تنظيمي متعدد المستويات
ولضمان الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ، تقترح المبادرة هيكلاً تنظيمياً يبدأ بمستوى القيادة العليا واللجان التوجيهية والاستشارية، ثم لجنة تنفيذية مركزية تتولى الإدارة والمتابعة والتقييم، وصولاً إلى فرق عمل في المحافظات تتولى تنفيذ الأنشطة والبرامج وتنظيم الحوارات والفعاليات ونشر الرسائل الوطنية محلياً.
ويعكس هذا الهيكل رغبة في ألا تبقى المبادرة محصورة في مركز القرار، وإنما تمتد إلى المحافظات والمجتمعات المحلية، بما يتيح مساحة أكبر للتفاعل المباشر مع الناس.
السؤال الأهم: ماذا بعد؟
في النهاية، تبدو «الهوية الوطنية الأردنية» أكثر من مجرد حملة للتعريف بالهوية؛ فهي، وفق تصورها المعلن، مشروع يسعى إلى بناء منظومة طويلة الأمد تربط التاريخ بالواقع، والتراث بالمستقبل، والشباب بالمشاركة، والإعلام بالوعي، والمواطنة بالسلوك.
لكن نجاح أي مشروع وطني من هذا النوع سيبقى مرتبطاً بقدرته على الانتقال من الوثيقة إلى الميدان، ومن الرسالة إلى الفعل، ومن الفعالية إلى الأثر المستدام.
فالهوية الوطنية لا تُحفظ بالكلمات وحدها، ولا تُختصر في الأناشيد والشعارات والمناسبات؛ إنها تُبنى كل يوم في المدرسة والجامعة والشارع ومكان العمل والمنزل، وفي احترام القانون، وقبول الآخر، وصون الممتلكات العامة، والحفاظ على الذاكرة الوطنية، والمشاركة الإيجابية في المجتمع.
وبقدر ما تنجح المبادرة في جعل هذه المعاني جزءاً من الحياة اليومية للأردنيين، لا مجرد خطاب يُقال، فإنها تكون قد اقتربت من هدفها الأساسي: أن تصبح الهوية الوطنية الأردنية ممارسة حية، ووعياً مشتركاً، ومساحة تجمع الأردنيين حول وطنهم ومستقبلهم.
