منبر الكلمة

الناس لا يطلبون الكثير

 

عدنان نصّار

في الصباحات العادية، تلك التي لا تعلنها النشرات ولا تحتفي بها الشاشات، يمضي الناس في حياتهم بهدوءٍ لافت. يفتحون أبوابهم على أملٍ صغير، ويغلقونها على صبرٍ أكبر. لا يبحثون عن معجزات، ولا يطالبون بما يفوق طاقتهم أو طاقة البلاد، بل يريدون حياة مفهومة، تشبههم، ولا تُربكهم كل يوم بسؤال جديد عن الغد.
الناس لا يطلبون الكثير؛ وظيفة لا تهينهم، وخبزًا لا يُقلقهم ثمنه، وكرامة لا تُمسّ عند أبواب الدوائر. يريدون أن يعيشوا دون أن يشعروا أنهم متّهمون بالفقر، أو مُدانين بالصبر، أو مطالبين في كل مرة بتفهّم ما لا يُفهَّم.
في الأزقة البعيدة عن مكاتب القرار، تتشكّل صورة أخرى للوطن. هناك، لا تُقاس الحياة بالخطط والاستراتيجيات، بل بقدرة الناس على الاستمرار. امرأة تؤجّل حاجتها كي تُكمل بيتها، عامل يُتقن التعب أكثر من الشكوى، وشاب يتعلّم كيف يحلم دون أن يرفع صوته كثيرًا. هؤلاء لا يظهرون في الإعلانات الرسمية، ولا يُستدعون إلى المؤتمرات، لكنهم يحملون البلاد على أكتافهم كل يوم.
البساطة، كما يعيشها الناس، ليست فقرًا في الخيارات، بل وضوحًا في الأولويات. هم يعرفون ماذا يريدون، ويعرفون أكثر ماذا لا يريدون. لا يرغبون في خطابات مطوّلة عن الإنجاز، ولا في وعود مؤجّلة لا تجد طريقها إلى الواقع. يريدون فقط أن يشعروا أن حياتهم ليست عبئًا على الدولة، ولا هامشًا في السياسات العامة.
المفارقة المؤلمة أن الناس كلما بسّطوا حياتهم، ازدادت اللغة الرسمية تعقيدًا. مصطلحات ثقيلة تُلقى على أكتاف يوميات خفيفة، وخطط بعيدة تُخاطب احتياجات قريبة. وبين هذا وذاك، يتعلّم الناس مهارة جديدة: كيف يعيشون دون انتظار، وكيف يتدبّرون أمورهم خارج دائرة الأمل الرسمي.
في المقاهي الصغيرة، وفي الحافلات، وعلى أرصفة الانتظار، تُسمَع حكايات لا تحتاج إلى ترجمة. شكوى عابرة عن الغلاء، ضحكة سريعة تسخر من الواقع، ثم صمت طويل يُكمل الطريق. الناس لا يجلسون لكتابة بيانات احتجاج، لكنهم يكتبون يومياتهم بأقدام متعبة، وقلوب لا تزال قادرة على الاحتمال.
ليست المشكلة في أن الناس صابرون، بل في أن الصبر تحوّل، دون إعلان، إلى سياسة غير مكتوبة. يُطلب من الناس أن يفهموا، وأن يتحمّلوا، وأن ينتظروا، وكأنهم الطرف الوحيد القادر على التنازل. ومع ذلك، لا يطلبون الكثير؛ فقط أن لا يُساء فهم صمتهم، وأن لا يُستثمر صبرهم ضدهم.
الناس البسطاء لا يريدون أن يكونوا أرقامًا في تقارير، ولا قصصًا موسمية تُستدعى عند الحاجة إلى التعاطف. يريدون أن يُنظر إليهم كأصحاب حق، لا كحالات اجتماعية. فالحياة، في نظرهم، ليست مشروعًا مؤجّلًا، بل تفاصيل يومية تحتاج إلى احترام قبل أن تحتاج إلى حلول كبرى.
حين تمشي بينهم، تدرك أن البساطة ليست ضعفًا، بل حكمة مكتسبة. هؤلاء تعلّموا أن يفرّقوا بين الضروري والزائد، بين ما يستحق الغضب وما يستحق التجاوز. وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يطلبون الكثير، لأنهم يعرفون تمامًا كلفة الطلب في زمنٍ أصبحت فيه المطالب تهمة.
هذا المقال ليس دفاعًا عن الفقر، ولا تمجيدًا للتكيّف القاسي، بل تذكير بأن الكرامة تبدأ من التفاصيل: من لغة تحترم الناس، ومن سياسات ترى الإنسان قبل المؤشر، ومن اعتراف صريح بأن البساطة التي يعيشها الناس ليست خيارهم دائمًا، بل نتيجة مسارٍ طويل من التهميش.
في النهاية، قد لا يطلب الناس الكثير، لكنهم يستحقون الكثير. يستحقون أن تُبنى السياسات من جهتهم، لا فوق رؤوسهم، وأن يُستمع إلى صمتهم كما تُستمع إلى الخطب. فحين نفهم بساطة الناس، نفهم جوهر الوطن، وحين نتجاهلها، نخسر أكثر مما نعتقد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى