الموت واقفًا أنقى من الحياة راكعًا

عمان-الاردن
٢٠٢٦/١/٩
القس سامر عازر
خلقنا الله أحرارًا لنحيا بكرامة، لا لنعيش في ظلال الذل أو تحت وطأة الانكسار. فالإنسان الذي يفقد موقفه يفقد ملامح إنسانيته، والذي يفرّط بوقفة العز يفرّط بروحه قبل أن يفرّط بأيامه. ليست الحياة بعدد السنين التي نعبرها، بل بقيمة المواقف التي نقفها، وبالخطوط الحمراء التي نرسمها دفاعًا عن كرامتنا وكرامة أوطاننا. لذلك، فإن الموت واقفًا أنقى من حياة تُقاس فيها الأنفاس بثمن الانحناء.
دعوة السماء لنا ليست أن نعيش فحسب، بل أن نرتقي. أن نرفع رؤوسنا بعزة النفس، وأن نحفظ الكرامة الإنسانية كوديعة إلهية في أعماقنا. فالإنسان الذي يساوم على كرامته يخسر ذاته قبل أن يخسر العالم، ومن يفقد كرامته يفقد كل شيء، لأن الكرامة ليست ترفًا أخلاقيًا بل هي جوهر الوجود الإنساني ومعناه. وفي زمن تتكاثر فيه الضغوط وتتعدد فيه الإغراءات، يبقى الامتحان الأكبر: هل نعيش واقفين أم نعيش راكعين؟
ولعلّ البيت الخالد يلخّص هذا المعنى بأبلغ بيان:
“لا تسقني كأس الحياة بمذلةٍ… بل فاسقني بالعز كأس الحنظل.”
إنه نداء الضمير الحر الذي يفضّل مرارة العز على حلاوة الذل، ويختار طريق الكرامة وإن كان وعرًا، على طريق الانحناء وإن بدا ممهّدًا. فالعطش أحيانًا أنقى من ارتواء يُشترى بثمن الكرامة، والجوع أشرف من شبعٍ يذلّ الروح ويكسر الموقف.
انظروا إلى الشجر الذي يموت واقفًا بجانب البئر، لا لأنه لا يعرف كيف ينحني، بل لأنه اختار أن يبقى شاهدًا على خذلان الطبيعة له دون أن يخون طبيعته هو. تلك الشجرة الصامتة تعلّمنا درسًا عميقًا: أن الثبات ليس عنادًا أعمى، بل وفاءٌ للجوهر، وأن الوقوف ليس تحديًا للقدر، بل حفاظٌ على المعنى. إنها تقف رغم العطش، لأن الانحناء لم يكن خيارها، ولأن الكرامة في قاموسها ليست تفاوضًا بل هوية.
وهكذا الأوطان لا تُبنى إلا بعزة نفس أبنائها، ولا تحفظها إلا شهامتهم ووقفتهم الصلبة أمام الرياح العاتية. فالأمة التي يعتاد أبناؤها الانحناء تفقد قدرتها على النهوض، أما الأمة التي تعرف كيف تقول “لا” حين تُمسّ كرامتها، فهي أمة قادرة على الصمود والبقاء. العزة ليست شعارًا يُرفع في الخَطب، بل ممارسة يومية في الصدق، والعمل، والدفاع عن الحق، والوقوف إلى جانب المظلوم.
إن الحياة التي تُشترى بالركوع قد تطيل العمر، لكنها تقصّر المعنى، بينما الوقوف بعزة قد يكلّف الكثير، لكنه يترك أثرًا لا يموت. لذلك نحن مدعوون أن نحيا بكرامة حتى لو عطشنا، وأن نبقى أوفياء لقيمنا حتى لو كان البئر بجانبنا يغرينا بالانحناء. فليكن موقفنا مثل تلك الشجرة التي رفضت أن تنحني، لا لأنها عاجزة، بل لأنها قررت أن تظل شاهدة على الحق، ثابتة في وجه العطش، مؤمنة أن بعض الألم أقدس من كل ارتواءٍ ملوّث.
فلنستنهض الهمم، ولنستعد المعنى الحقيقي للحياة: حياة تُعاش بوقفة عز، لا بظلّ ركوع. ولنتذكّر دائمًا أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة ويستعيدها، إلا كرامته إن ضاعت، فإنها تأخذ معه كل شيء. عندها فقط نفهم أن الموت واقفًا ليس نهاية، بل شهادة حياةٍ عزيزة، وأن الحياة الراكعة ليست بقاءً، بل غيابٌ طويل عن معنى الإنسان.



