منبر الكلمة

الموازنة العامة الأردنية لعام 2027.. بين إرث ما بعد كورونا وتحديات العواصف الاقتصادية والأمنية

 

بقلم: أ.د. عاطف البواب

تعكف الحكومة هذه الايام على اعداد قانون الموازنة العامة لعام 2027 0، حيث لم تعد الموازنة العامة في الأردن مجرد جدول سنوي للإيرادات والنفقات، بل أصبحت أداة رئيسية لإدارة الاقتصاد الوطني ومواجهة الأزمات المتلاحقة، خصوصاً في ظل ارتفاع المديونية وتزايد كلف خدمة الدين، وتنامي الاحتياجات الاجتماعية والاستثمارية. ومع اقتراب إعداد موازنة عام 2027، تبرز أهمية قراءة مسار المالية العامة منذ عام 2022، باعتباره العام الذي بدأت فيه الاقتصادات تتعافى تدريجياً من تداعيات جائحة كورونا، وصولاً إلى عام 2026 الذي شهد أحداثاً اقتصادية وأمنية إقليمية ألقت بظلالها على الاقتصاد الأردني.

أولاً: كيف تُعد الموازنة العامة؟

تمر عملية إعداد الموازنة العامة بعدة مراحل تبدأ بإصدار بلاغ رسمي من رئيس الوزراء، يتضمن التوجهات والأولويات الاقتصادية والمالية، والسقوف المحددة للإنفاق الحكومي. بعد ذلك تقوم الوزارات والدوائر والوحدات الحكومية بإعداد تقديراتها للإيرادات والنفقات الجارية والرأسمالية، وتحديد احتياجاتها من المشاريع الجديدة والمستمرة.

وتتولى دائرة الموازنة العامة مراجعة هذه التقديرات ومناقشتها مع الجهات الحكومية، للتأكد من واقعيتها وانسجامها مع الموارد المالية المتاحة، ومع المؤشرات الاقتصادية المتوقعة، مثل معدلات النمو والتضخم والإيرادات الضريبية والمنح الخارجية.

وفي المرحلة التالية، يتم تجميع التقديرات وإعداد مشروع قانون الموازنة، بالتنسيق مع وزارة المالية والجهات المعنية، ثم يرفع إلى مجلس الوزراء لإقراره وإحالته إلى مجلس الأمة ضمن المواعيد الدستورية. ويخضع المشروع بعد ذلك لمناقشات مجلس النواب ومجلس الأعيان، وصولاً إلى إقراره وصدور القانون بإرادة ملكية.

ولا تنتهي دورة الموازنة عند إقرارها، إذ تبدأ مرحلة التنفيذ والرقابة، ثم إعداد الحساب الختامي الذي يقارن بين التقديرات المالية والنتائج الفعلية، ويكشف مدى كفاءة إدارة المال العام.

ثانياً: ماذا تقول أرقام الموازنات بعد كورونا؟

عند استعراض السنوات الأربع الماضية، نلاحظ أن حجم الموازنة العامة اتجه إلى الارتفاع بصورة مستمرة، سواء على جانب الإيرادات أو النفقات، إلا أن النفقات بقيت أعلى من الإيرادات، وهو ما أبقى العجز المالي تحدياً أساسياً أمام الحكومات المتعاقبة.

ففي عام 2022، بلغت الإيرادات العامة، بما فيها المنح الخارجية، نحو 8.914 مليار دينار، مقابل نفقات بلغت 10.467 مليار دينار، بعجز بلغ نحو 1.553 مليار دينار بعد المنح.

أما عام 2023، فقد ارتفعت الإيرادات إلى نحو 9.144 مليار دينار، مقابل نفقات بلغت 11.004 مليار دينار، ليرتفع العجز إلى نحو 1.860 مليار دينار.

وفي عام 2024، واصلت الإيرادات ارتفاعها لتبلغ نحو 9.439 مليار دينار، مقابل نفقات بلغت 11.538 مليار دينار، فيما وصل العجز بعد المنح إلى نحو 2.099 مليار دينار.

أما عام 2025، فقد سجلت الإيرادات العامة، بما فيها المنح، نحو 9.996 مليار دينار، مقابل نفقات بلغت 12.252 مليار دينار، وبلغ العجز بعد المنح نحو 2.256 مليار دينار.

وتكشف هذه الأرقام عن حقيقة مهمة، وهي أن الإيرادات العامة ارتفعت خلال الفترة، لكنها لم تتمكن من مجاراة الزيادة في النفقات، الأمر الذي يعكس استمرار الضغوط الهيكلية على المالية العامة.

ومن المؤشرات الإيجابية في عام 2025 ارتفاع الإيرادات المحلية إلى 9.312 مليار دينار، بزيادة 6.6% عن عام 2024، كما ارتفع الإنفاق الرأسمالي إلى نحو 1.4 مليار دينار، مع تحسن ملحوظ في نسب تنفيذ المشاريع.

لكن في المقابل، بقيت خدمة الدين العام والرواتب والتقاعد والنفقات التشغيلية تشكل أعباء كبيرة تحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد إضافية نحو المشاريع التنموية.

ثالثاً: عام 2026.. سنة الاختبار الاقتصادي والأمني

لا يمكن إعداد موازنة عام 2027 بمعزل عن الظروف الاستثنائية التي شهدها عام 2026، خصوصاً تداعيات الصراعات الإقليمية واضطراب حركة التجارة والملاحة وارتفاع كلف الطاقة والنقل والتأمين.

وقد انعكست هذه التطورات على الاقتصاد الأردني من خلال الضغوط على القطاع السياحي، وتكاليف الاستيراد، وسلاسل التوريد، فضلاً عن اضطرابات إمدادات الغاز وارتفاع كلف إنتاج الطاقة.

كما أن استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي يفرض تحديات على الاستثمار الخاص والتدفقات السياحية والتجارة الخارجية، وهي قطاعات تشكل مصدراً مهماً للنمو وتوليد فرص العمل والإيرادات الحكومية.

وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي المنشورة في تشرين الأول 2026، يتوقع أن ينمو الاقتصاد الأردني بنسبة 2.7% خلال عام 2026، على أن يرتفع النمو إلى 3.1% في عام 2027، مع توقع تضخم يبلغ 2.3% في العام المقبل.

وهذا يعني أن الحكومة تدخل إعداد موازنة 2027 في ظل توقعات بتحسن النمو، ولكن مع استمرار المخاطر المرتبطة بالوضع الإقليمي وأسعار الطاقة والتجارة الدولية.

رابعاً: ماذا نتوقع لموازنة 2027؟

أعلنت الحكومة في بلاغ إعداد موازنة 2027 عن مجموعة من التوجهات، أبرزها زيادة شهرية إضافية بقيمة 30 ديناراً للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم الإجمالية عن 600 دينار، إلى جانب مواصلة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية في المياه والنقل والطاقة والصحة والتعليم.

كما تضمنت التوجهات تعزيز الإنفاق الرأسمالي والحماية الاجتماعية، وترشيد النفقات التشغيلية، وتطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ودعم السلع الاستراتيجية.

وبناءً على مسار الإيرادات والنفقات في السنوات السابقة، ومعدلات النمو والتضخم المتوقعة، يمكن وضع تقدير تحليلي أولي لأرقام موازنة 2027 على النحو الآتي:

الإيرادات المحلية: بين 10.0 و10.3 مليار دينار.

المنح الخارجية: بين 700 و800 مليون دينار.

إجمالي الإيرادات مع المنح: بين 10.7 و11.1 مليار دينار.

النفقات العامة: بين 13.2 و13.5 مليار دينار.

العجز بعد المنح: بين 2.3 و2.8 مليار دينار.

وهذه تقديرات تحليلية وليست أرقاماً حكومية نهائية، إذ تعتمد النتائج الفعلية على تطورات الاقتصاد الإقليمي، ومستوى المنح الخارجية، وأداء الإيرادات الضريبية، وكلف خدمة الدين.

الخلاصة

إن التحدي الحقيقي أمام موازنة 2027 لا يتمثل فقط في زيادة الإيرادات أو تخفيض النفقات، وإنما في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، والانتقال من موازنة تستهلك الجزء الأكبر من مواردها في الالتزامات الجارية إلى موازنة أكثر قدرة على تحفيز الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل.

كما أن زيادة الرواتب بمقدار 30 ديناراً خطوة لها أثر اجتماعي، لكنها تحتاج إلى أن تترافق مع سياسات اقتصادية ترفع الدخول الحقيقية وتحد من البطالة وارتفاع كلف المعيشة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة في موازنة 2027 أن تحقق التوازن بين متطلبات الحماية الاجتماعية والاستثمار التنموي من جهة، وضبط العجز والمديونية من جهة أخرى؟ إن نجاح الموازنة لن يقاس بحجم أرقامها، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطن، وقدرتها على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل اعتماداً على الاقتراض.

زر الذهاب إلى الأعلى