منوعات

المهرج… بهلوان الضحك والرعب

آفاق نيوز _ دائماً ما كان المهرجون مرتبطين بالسعادة والضحك، لكن في العقود الأخيرة حدثت تحول كبير في رمزية المهرجين التي انتقلت لعالم الرعب والجريمة في السياقات الفنية وعلى رأسها السينما، وفي الاحتجاجات السياسية وأعمال الشغب التي ظهر فيها المهرجون في مواجهة الشرطة.

على مدار زمن طويل ارتبط البهلوان أو المهرج بسياقات مبهجة وأجواء كوميدية، باعتباره الشخص ذي الملابس الملونة والشعر المستعار والأنف الأحمر ومساحيق التجميل المبالغ فيها التي تدخل البهجة على الناس في عروض ترفيهية، أو بالسيرك أو في حفلات الأطفال وأعياد الميلاد.

وليس البهلوان بالظاهرة المستحدثة، إذ الفكرة لها وجود ضارب في التاريخ ولها إرهاصات متعددة في الحضارات العريقة. في مصر القديمة عرف المهرجون في بلاط الملوك، وقد عرف المصريون القدماء الإله “بس” معبود الفكاهة والمرح، وفي بلاد ما بين النهرين عرف المهرجون الذين كانوا في الأعياد يؤدون تصرفات ساخرة، لتذكير الملوك والحكام بأن يتواضعوا أمام الآلهة، وفي حضارة الصين القديمة كان مهرج الإمبراطور يعرف باسم “تشو”، وهو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن ينتقد الإمبراطور، وفي اليونان القديمة بدأ ظهور المهرج المسرحي، إذ كان يظهر في الفواصل بين المسرحيات التراجيدية لإضحاك الجمهور وتخفيف حدة التوتر.

من الضحك إلى العنف

المهرج والبهلوان والبلياتشو مترادفات لمعنى واحد، وهو الشخص الذي يرتدي ملابس ملونة ومبالغاً فيها ويؤدي حركات مضحكة. استمر هذا المفهوم على مدار زمن طويل، لكن خلال العقود الأخيرة حدثت تحولات جذرية في دلالة الشخصية من رمز للمرح إلى مصدر للرعب أو التراجيديا، هذا التحول له أسباب متعددة من بينها اختلاف شكل الكوميديا ومسببات الضحك من زمن إلى آخر، وظهور الشخصية في سياقات ارتبطت بأجواء الجريمة والرعب والعنف.

ربما كانت نقطة التحول الأشهر في الانتقال بالمهرجين من الضحك والطيبة إلى الشر والعنف واحدة من أشهر القضايا التي شهدها المجتمع الأميركي خلال السبعينيات لقاتل متسلسل عُرف بجون واين جيسي، إذ استمرت جرائمه في الفترة ما بين عامي 1972 و1978، واتهم بقتل ما لا يقل عن 33 شخصاً معظمهم من الأطفال والمراهقين، كان جيسي معروفاً في منطقته شخصاً ودوداً يقيم حفلات ترفيهية للأطفال يرتدي فيها زي المهرج، ويشارك في المستشفيات والتجمعات الخيرية بعروضه البهلوانية، وكان يعرف بـ”بوغو المهرج”، وثق الناس به، واعتبروه شخصاً خيراً.

لكن ابتسامة المهرج وعروضه كانت وسيلة لاستدراج الضحايا، ومن ثم تعذيبهم واغتصابهم وقتلهم، اعتُقل عام 1980 وحُكم عليه بالإعدام، وأحدثت حينها هذه القضية ضجة في المجتمع لغرابتها، وفي الوقت نفسه مثلت نقطة تحول في الانطباع السائد عن البهلوان من شخصية طيبة مرحة إلى مصدر للرعب والعنف والجريمة.

يعد كتاب “مهرجون سيئون” لبينيامين رادفورد من المراجع الأساس التي ترصد التطور الثقافي للمهرج وتحولاته، وكيف انتقل من رمز للبهجة إلى مصدر للرعب على المستوى الحقيقي، وعلى مستوى الأدب والدراما والسينما. ويذكر المؤلف عن المهرجين “هم بطبيعتهم غامضون، نحن لا نعرف أبداً ما إذا كانت الابتسامة المرسومة على وجوههم تعكس سعادة حقيقية، أم أنها مجرد واجهة تخفي شيئاً مظلماً، وهذا الغموض هو ما يولد القلق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى