
المسيّرات تشل تجارة الحبوب… هجمات البحر الأسود تعطل حركة الشحن
افاق نيوز – تواجه صادرات الحبوب الروسية والأوكرانية اضطراباً متصاعداً مع تكثيف الهجمات بالمسيّرات على السفن والموانئ في البحر الأسود، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع حركة الشحن عبر منافذ رئيسية لتصدير القمح والذرة والشعير. واضطر مصدرون إلى تحويل شحناتهم نحو موانئ ومسارات بديلة أعلى تكلفة، في حين حذر مسؤولون في مؤسسات دولية وشركات زراعية من ضغوط إضافية على أسعار الغذاء وقدرة المزارعين على تمويل الموسم المقبل.
وتراجعت حركة السفن في موانئ منطقة أوديسا الكبرى الأوكرانية إلى أقل من عشر سفن في سبتمبر/أيلول، مقابل نحو 400 سفينة في يوليو/تموز، بحسب شركة “تي آي إس”، أكبر مشغل موانئ خاص في أوكرانيا. وعلى الجانب الروسي، استحوذ مسار البلطيق على 65% من صادرات الحبوب في سبتمبر، بعدما توقفت الشحنات إلى حد كبير عبر حوض آزوف والبحر الأسود في منتصف أغسطس/آب، وفقاً لشركة النقل بالسكك الحديدية وتحليل سوق الحبوب “روس أغرو ترانس”.
وفي أحدث الهجمات، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس الأحد، أن طائراتها المسيّرة أصابت سفينة شحن كانت متجهة إلى ميناء تشورنومورسك الأوكراني على البحر الأسود خلال هجوم ليلي. وجاء الإعلان بعد غرق سفينة الشحن “خوريف” التي ترفع علم جزر القمر، قرب رومانيا يوم الجمعة الماضي، ما أسفر عن مقتل بحار وفقدان ثلاثة آخرين. وبحسب وكالة أسوشييتد برس، تعرضت سبع سفن شحن أخرى على الأقل لهجمات خلال أكتوبر قبالة رومانيا وبلغاريا، أسفرت عن مقتل شخصين وفقدان 25 آخرين.
تراجع منافذ التصدير
وانخفضت الصادرات البحرية الأوكرانية من السلع الزراعية إلى 1.4 مليون طن في أغسطس، بتراجع يقارب 75% عن مستويات ما قبل الحرب، وفقاً لوزارة الزراعة الأوكرانية. وقالت صحيفة “فاينانشال تايمز” في تقرير نشرته أمس الأحد، إن كييف حوّلت شحنات الحبوب إلى موانئ أصغر على نهر الدانوب، لكن وزير الزراعة الأوكراني، تاراس فيسوتسكي، قال إن استمرار الهجمات يمنع الاستفادة من طاقتها الاستيعابية، وإن الأطقم “خائفة حقاً” من العمل في هذه الظروف. وشملت الأهداف سفن الحبوب الروسية أيضاً. وقال قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية، روبرت بروفدي، في سبتمبر، إن كييف أصابت أكثر من 300 سفينة روسية خلال 11 أسبوعاً، بينها سفن صب تنقل الحبوب.
وردت موسكو بتكثيف الهجمات على السفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية. وبحسب شركة الأمن البحري “أمبري”، نفذت روسيا نحو 90% من الضربات على السفن خلال الأيام الـ45 الماضية. وأفادت “أمبري” بإصابة نحو 387 سفينة بين يوليو وسبتمبر، بما يزيد على خمسة أمثال العدد المسجل في الربع السابق، بينما تجاوز متوسط الهجمات أربعة يومياً خلال الربع الثالث. وتشمل هذه الأرقام السفن التجارية بمختلف أنواعها. وقالت مديرة الأبحاث في “لويدز ليست إنتليجنس”، بريدجيت دياكون، لـ”فاينانشال تايمز” إنّ “هذا وضع مختلف تماماً. أتابع تأثير الحرب على التجارة البحرية منذ سنوات، ولم أشهد شيئاً كهذا من قبل”.
تحول نحو البلطيق
وأصبحت موانئ البلطيق ذات المياه العميقة المنفذ الرئيسي لصادرات الحبوب الروسية، ولا سيما القمح، مع تعطل الشحنات عبر حوض آزوف والبحر الأسود، وفقاً لتقرير أعدته وكالة رويترز مؤرخ في 23 أكتوبر. وقالت شركة الاستشارات “بروزيرنو” إن 431.7 ألف طن من الحبوب الروسية شحنت عبر لاتفيا بين يوليو وأكتوبر، لتبرز البلاد ضمن أكبر خمس دول تستخدم لشحن الحبوب الروسية خلال الموسم التسويقي الجاري، رغم توتر العلاقات السياسية مع موسكو. وتشحن الصادرات عبر الموانئ الروسية على بحر البلطيق، وكذلك عبر موانئ دول البلطيق، خصوصاً لاتفيا. وأوضحت وزارة الخارجية اللاتفية، في بيان، يوم الجمعة الماضي، أن استيراد الحبوب الروسية محظور منذ عام 2024، لكن عبورها غير محظور حتى الآن، وأن الحكومة تعمل على إقرار الحظر أوروبياً أو وطنياً، وفق “رويترز”.
وحظرت إستونيا عبور الحبوب الروسية عبر أراضيها، بينما اقترحت دول البلطيق خلال الشهر الجاري فرض حظر أوروبي على تصدير الحبوب الروسية عبر أراضي الاتحاد. وظلت إيران أكبر مشتر للحبوب الروسية بين يوليو وأكتوبر، بواردات بلغت 1.716 مليون طن، مدفوعة بمشتريات الشعير والذرة، مقابل 1.35 مليون طن لمصر، وفقاً لـ”بروزيرنو”. كما ارتفعت الشحنات عبر بحر قزوين بشدة، واتجه معظمها إلى إيران. وبحسب رصد بالأقمار الاصطناعية أجرته شركة وساطة الشحن “إيفكور غالبريثس”، بلغت شحنات الحبوب الروسية المحملة من موانئ البحر الأسود وبحر آزوف 201 ألف طن في سبتمبر، أي سدس مستواها في الشهر السابق. وتستخدم روسيا أيضاً مسارات عبر ميناء فلاديفوستوك في أقصى الشرق، إلى جانب البلطيق، بتكلفة أعلى بكثير من مساراتها التقليدية، وفقاً للصحيفة.
تكاليف النقل والتأمين
ونقلت “فاينانشال تايمز” عن مسؤولين عن تسعير مخاطر التأمين أن تكلفة التغطية ضد مخاطر الحرب قد تصل إلى 15% من قيمة هيكل السفينة، بما يقارب ضعف النسبة المفروضة على السفن في الخليج. وبحسب منظمات للشحن، ترفض شركات إرسال سفنها إلى البحر الأسود، حيث تقل هوامش الربح وتزداد مخاطر التشغيل. وفي منتصف سبتمبر، وسعت لجنة الحرب المشتركة، التي تحدد مناطق مخاطر الحرب لأغراض التأمين، نطاق تصنيفها ليشمل البحر الأسود بأكمله تقريباً، مع استثناء المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا وتركيا، وفقاً للصحيفة. لكن الهجمات على سفن قرب هذه المناطق دفعت شركات شحن إلى إعادة النظر في عملياتها بمنطقة رسو سولينا قرب حوض الدانوب والساحل البلغاري.
ودفع ارتفاع تكلفة التأمين ملاك سفن إلى استخدام وحدات أقدم وأقل قيمة. وقال المستشار البحري التركي في مكتب المحاماة “إسينييل وشركاه”، ديها أيدن، للصحيفة إن أعمار بعض السفن تصل إلى 50 عاماً، وإن حالتها المتهالكة تحد من خيارات تشغيلها في مناطق أخرى، لأنها تواجه “احتمالاً كبيراً للاحتجاز في الموانئ الأوروبية”. وأفاد تقرير لـ”رويترز”، في 19 أكتوبر، بارتفاع أجور الشحن بنحو 50% على بعض المسارات العالمية الرئيسية، ومنها البحر الأسود إلى جنوب شرق آسيا، مع صعود أسعار النفط وعلاوات مخاطر الحرب. وأشار إلى تعطل شحنات القمح بسبب الهجمات على البنية التحتية للحبوب في البحر الأسود، واضطرار مصر وإندونيسيا إلى البحث عن إمدادات بديلة. وقال فرانسيسكوس ويليرانغ عضو مجلس إدارة “إندوفود”، وهي أكبر شركة أغذية في إندونيسيا، للوكالة إن “تكاليف الشحن ارتفعت أيضاً، وعند تحويلها إلى الروبية يتضاعف تأثيرها بسبب ضعف العملة الإندونيسية”.
تأخر الشحنات
وأظهرت بيانات “كبلر”، انخفاض شحنات القمح الواصلة إلى إندونيسيا بنسبة 41% على أساس سنوي في سبتمبر، إلى 491 ألف طن. وقال مسؤول تنفيذي بارز في شركة لطحن الدقيق بجاكرتا إن عدداً من المطاحن الإندونيسية يعمل بأقل من طاقته التشغيلية، بعدما سبَّبت الحرب الروسية الأوكرانية تقليصَ وصولِ الشحنات. وطلب عدم ذكر اسمه لعدم حصوله على تصريح بالحديث إلى وسائل الإعلام. وقال مسؤول تنفيذي في شركة دولية لتجارة الحبوب لـ”فاينانشال تايمز” إن إندونيسيا تعاقدت مع روسيا على حصة كبيرة من مشترياتها التي تنتظر تسلمها خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة، لكنها بدأت التوجه إلى موردين أستراليين، وسط مخاوف من عدم وصول الشحنات الروسية. وتواجه شركات تصنيع الأغذية صعوبات في تأمين الإمدادات، إلى جانب ارتفاع الأسعار. وتجدد هذه الشركات عقود شراء المواد الخام بأسعار أعلى، بعدما كانت تبرمها عادة لآجال تراوح بين ثلاثة وستة أشهر، بينما يزيد ضعف العملات المحلية التكاليف.
مخاوف من ارتفاع الأسعار
وبحسب “رويترز”، ارتفعت أسعار القمح بأكثر من 30% خلال العام الجاري، مع تراكم اضطرابات الشحن وصدمات الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة. وعن تداعيات هجمات البحر الأسود، وتحويل السفن إلى مسارات أطول حول أفريقيا بسبب مخاطر البحر الأحمر، واضطراب صادرات الأسمدة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب في المنطقة، فضلاً عن الجفاف الناجم عن ظاهرة “إل نينيو”، على منظومة الغذاء العالمية، قال كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”، ماكسيمو توريرو، للوكالة: “كل ذلك فرض ضغوطاً كبيرة على المنظومة”. وأضاف: “سنشهد تأثيراً أكبر قرب نهاية العام، وفي بداية العام المقبل، وربما طوال العام المقبل”.
وبحسب بيانات البنك الدولي، تجاوز ارتفاع أسعار الغذاء معدل التضخم العام خلال الربع المنتهي في سبتمبر في 22% من الدول الـ150 التي شملها تحليله، مقارنة بـ14% في الربع السابق. وبلغ متوسط مؤشر “الفاو” لأسعار الغذاء، الذي يرصد التغيرات الشهرية في أسعار سلة من السلع المتداولة دولياً، 136 نقطة في سبتمبر، وهي أعلى قراءة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وقال توريرو: “وفرت المخزونات والمحاصيل الجيدة في المواسم السابقة هامشاً للحماية، لكن هذه الهوامش بدأت تتعرض للضغط. وهذا يعني أن ارتفاع أسعار السلع قد يصبح أشد وضوحاً”.
وقال كبير الاقتصاديين في المجلس الدولي للحبوب بلندن، ألكسندر كارافايتسيف، لوكالة رويترز إنه “خلال شهرين، قد تظهر موجة جديدة كبيرة من الطلب مع عودة المستوردين إلى السوق”. وأوضح أن التوقعات تشير إلى محاصيل قمح جيدة في نصف الكرة الجنوبي، لكن أي انخفاض في الإنتاج لدى دول مصدرة، مثل أستراليا والأرجنتين، قد يضيف عاملاً جديداً يدفع الأسعار إلى الارتفاع. وأضاف: “هناك مخاطر كبيرة لارتفاع الأسعار”. وحذر رئيس مجلس إدارة شركة “كيرنل”، إحدى كبرى شركات تصدير زيت دوار الشمس الأوكراني، أندري فيريفسكي، من تأثير تعطل الصادرات وارتفاع تكاليف الشحن في قدرة المزارعين على تمويل الزراعة. وقال، وفق “فاينانشال تايمز” إن “الخطر الأكبر لن يظهر في التأخيرات القصيرة للشحن اليوم، بل في الحقول الربيع المقبل”. وأضاف: “إيرادات التصدير هي التي تسدد ثمن الوقود والبذور والأسمدة. وإذا اختنقت منافذ الموانئ والتهمت تكاليف الشحن هوامش التشغيل، فلن تتوافر ببساطة السيولة اللازمة للزراعة لدى المزارعين الأوكرانيين الصغار ومتوسطي الحجم”.
