
المخا في مرمى التصعيد الحوثي.. ورقة مقايضة أم استباق لمعركة أكبر
افاق نيوز – تحوّلت مدينة وميناء المخا اليمني، خلال الأيام القليلة الماضية، إلى مسرح لأعنف موجات التصعيد العسكري لميليشيا الحوثي، عبر استهداف مكثف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية والزوارق المفخخة.
سياسيون وباحثون يمنيون يقرأون هذا التصعيد الحوثي باعتباره خطوة تتجاوز مجرد الاستهداف الممنهج على المنشآت المدنية والموانئ، إلى محاولة إعادة رسم معادلة النفوذ على طول الساحل الغربي اليمني، وتطويق الممر الملاحي في باب المندب، ضمن أجندة النظام الإيراني لابتزاز المنطقة والعالم بخنق الملاحة الدولية.
واعتبروا أن المخا باتت تمثل نقطة استراتيجية تتقاطع عندها الحسابات العسكرية والاقتصادية والأمنية، نظراً لقربها من مضيق باب المندب وموقعها على خطوط الملاحة الدولية.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن الميليشيا أطلقت ما يقارب 90 صاروخاً وطائرة مسيّرة باتجاه المدينة ومينائها الحيوي والسفن التجارية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم بحارة أجانب.
استباق لتعطيل معركة الحديدة
يرى الباحث والكاتب اليمني مصطفى الجبزي أن تكثيف جماعة الحوثي هجماتها الصاروخية والطائرات المسيرة على مدينة المخا الساحلية قد يرتبط بمحاولة تعطيل خطوط الإمداد للقوات المناهضة للجماعة، واستباق أي تحرك عسكري محتمل باتجاه مدينة وميناء الحديدة.
وأضاف الجبزي في منشور على صفحته بموقع “فيسبوك” أن المخا اكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة باعتبارها إحدى أهم قواعد القوات المناهضة للحوثيين على الساحل الغربي، إلى جانب امتلاكها ميناء ومطاراً وخطوط إمداد للقوات المنتشرة في المخا ومناطق جنوب الحديدة.
وأشار إلى أن التصعيد لا يقتصر على البعد العسكري، إذ يمكن أن يكون، بحسب تقديره، محاولة لبناء ورقة ردع ومقايضة قبل أي مواجهة واسعة، عبر إظهار قدرة الحوثيين على استهداف المدن والمنشآت الحيوية الواقعة خلف خطوط المواجهة.
باب المندب والأجندة الإيرانية
تؤكد وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة أن استهداف ميليشيا الحوثي لميناء المخا والساحل الغربي يمثل محاولة لضرب أحد شرايين حياة اليمنيين، وإضعاف قدرات الدولة في واحدة من أكثر جبهاتها فاعلية في حماية أمن البحر الأحمر وباب المندب وتأمين الملاحة.
وأضافت الزوبة في تدوينة على منصة “إكس” أن “إصرار الميليشيا على استهداف هذه الجبهة يكشف أهمية الدور الحيوي الذي تؤديه الدولة وقواتها في تضييق خطوط تهريب السلاح إلى الميليشيا وتأمين الممرات البحرية”.
كما أكدت أن باب المندب لن يكون ورقة ضغط بيد جماعة إرهابية مسلحة، وأن اليمن ومقدراته وممراته البحرية لن يبقى رهينة لحرب مفتوحة تخدم أجندة إيران الإقليمية وتهدد دول الجوار.
استنزاف جبهة الساحل الغربي
بدوره، المستشار الرئاسي اليمني ونائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة، عبد الملك المخلافي، يرى أن استمرار الهجمات الحوثية على المخا يكشف، وفق تقديره، نية لتوسيع الحرب أو محاولة لاستنزاف جبهة الساحل الغربي.
وقال إن الجماعة الحوثية قد تراهن على خوض القتال جبهة بعد أخرى، وهو ما يجعل فتح جبهات أخرى خياراً قد تفرضه طبيعة التصعيد لتخفيف الضغط عن القوات التي تواجه الحوثيين في الساحل.
ووصف المخلافي استهداف الحوثيين المخا وميناءها بالطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق المفخخة، بأنه “يعكس استهتاراً بحياة المدنيين والمقدرات الاقتصادية”.
كما انتقد تحويل الحوثيين للموانئ والمطارات الواقعة تحت سيطرتهم إلى مواقع عسكرية، معتبراً أن ذلك يعرّض المنشآت المدنية والبنية التحتية للخطر.
لماذا المخا؟
بحسب الصحافي اليمني خليل العمري، فإن القصف الحوثي المكثف على ميناء ومدينة المخا يتجاوز الضغط على الجبهة إلى محاولة الاقتراب من واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في المنطقة وهو باب المندب، لافتا إلى أن أهمية باب المندب تجعل المعركة أكبر من كونها مواجهة مع قوات الحكومة اليمنية، فهذا الممر البحري يمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتمر عبره تجارة تُقدّر بنحو تريليون دولار سنوياً. وأضاف “من هنا تأتي قيمته في الحسابات الإيرانية، فإبقاء المضيق تحت التهديد يمنح طهران ورقة استراتيجية في معركتها الإقليمية”.
وأشار العمري إلى أن المعركة بالنسبة لميليشيا الحوثي ورقة ضمن صراع إقليمي أوسع، تتحرك فيه كأداة ضمن استراتيجية إيرانية بالوكالة. ويقدر أن المعادلة واضحة، فالمقاومة الوطنية تقاتل لمنع سقوط باب المندب في قبضة المشروع الحوثي الإيراني، بينما تحاول ميليشيا الحوثي تحويل الساحل الغربي إلى منصة ضغط ضمن معركة تتجاوز حدود اليمن.
ويعتقد أن ما يجري في المخا لا ينبغي التعامل معه إقليمياً ودولياً كتصعيد عسكري محدود للحوثيين، وإنما كمعركة على موقع استراتيجي يمكن أن يؤثر في أمن الملاحة والتجارة وحسابات القوى الإقليمية والدولية.
جزء من معادلة عسكرية أوسع
يشير تعدد القراءات السياسية والعسكرية إلى أن التصعيد حول المخا بات يحمل أبعاداً تتجاوز حدود المدينة والميناء.
فالموقع الجغرافي القريب من باب المندب، والدور الاقتصادي والإنساني للميناء، والارتباط المباشر بجبهات تعز والحديدة، كلها عوامل تجعل المخا جزءاً من معادلة عسكرية أوسع في الساحل الغربي.
وبينما يستمر التصعيد، تبدو المخا أمام اختبار جديد قد يحدد شكل المعركة في الساحل الغربي خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل دعوات يمنية لتوسيع نطاق المواجهة ومنع الحوثيين من الاستفراد بجبهة واحدة.
