QFEX 2026
منبر الكلمة

الفقر… حين تصبح الحياة معركة يومية

 

عدنان نصار

لم يعد الفقر مجرد مؤشر اقتصادي تتناقله التقارير الرسمية، بل تحول إلى واقع يطرق أبواب آلاف الأسر كل صباح. لم يعد السؤال: ماذا نشتري؟ بل ماذا نستطيع أن نستغني عنه اليوم؟ وكيف يمكن للأسرة أن توزع دخلاً محدوداً على احتياجات لا تعرف التأجيل؟
خلف أبواب كثيرة، ثمة آباء يخفون قلقهم عن أبنائهم، وأمهات يختصرن احتياجاتهن حتى لا يشعر الأطفال بنقص الطعام أو الدواء أو مستلزمات الدراسة. إنها معاناة صامتة لا تظهر في الأرقام، لكنها تنعكس على تفاصيل الحياة كلها، من التعليم إلى الصحة، ومن الاستقرار النفسي إلى الإحساس بالأمان.
الفقر لا ينتزع المال من الجيوب فحسب، بل يسلب الإنسان جزءاً من طمأنينته وكرامته. وعندما يصبح تأمين أساسيات الحياة هو الهمّ اليومي، تتراجع الأحلام وتضيق مساحة الأمل، ويصبح المستقبل أكثر غموضاً.
إن أخطر ما في الفقر أنه لا يصنع جيلاً محتاجاً فقط، بل قد يصنع جيلاً فاقداً للفرص. فالطفل الذي يحرم من تعليم جيد أو علاج مناسب بسبب الظروف الاقتصادية يدفع ثمناً قد يلازمه سنوات طويلة، وتدفع معه الدولة والمجتمع كلفة أكبر في المستقبل.
ومع تزايد الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، يصبح من الضروري أن تتجه الجهود نحو سياسات اقتصادية توفر فرص العمل، وتعزز شبكات الحماية الاجتماعية، وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بعدالة وشفافية. فالمواطن لا يبحث عن حلول مؤقتة، بل عن فرصة تحفظ كرامته وتمكنه من الاعتماد على نفسه.
إن مواجهة الفقر ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة يشارك فيها القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، وكل من يؤمن بأن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة.
وفي النهاية، يبقى الفقر جرس إنذار لا يجوز تجاهله. فالمجتمعات لا تُقاس بحجم أبراجها أو مشاريعها الكبرى، بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، ومنح كل مواطن فرصة عادلة ليعيش بكرامة. وعندما يصبح الإنسان محور التنمية الحقيقي، تتحول الأرقام إلى واقع أفضل، ويستعيد الأمل مكانه في حياة الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى