QFEX 2026
منبر الكلمة

العقار الأردني يبعث برسالة ثقة.. هل تقتنص الحكومة الفرصة؟

بقلم: أ.د. عاطف البواب

مع اقتراب موسم الصيف لهذا العام لاحظت حركة انشاءات وابنية لا بأس بها مما حفزني ان اتحقق من بعض المعطيات والارقام من المصادر الرسمية للوقوف على حقيقة الوضع الاقتصادي وعلى وجه الخصوص القطاع العقاري والانشاءات.

ان حركة الاستثمار تتأثر بدرجة كبيرة بمستوى الاستقرار والثقة، وتصبح أرقام العقار والإنشاءات أكثر من مجرد مؤشرات قطاعية، فهي في كثير من الأحيان مرآة لقرارات المستثمرين وتوقعاتهم للمستقبل.

وفي الأردن، تبدو المؤشرات المسجلة خلال عام 2026 جديرة بالاهتمام. فاستمرار ارتفاع رخص الأبنية، بالتزامن مع زيادة أعداد الشركات المسجلة ورؤوس الأموال، يقدم صورة عن سوق يحافظ على قدر من الحيوية، رغم التحديات الاقتصادية والظروف الإقليمية المحيطة.

وبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغ عدد رخص الأبنية الصادرة في المملكة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 12,070 رخصة، مقارنة مع 11,700 رخصة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 370 رخصة، وبنسبة 3.2%.

وقد يكون ارتفاع عدد الرخص بنسبة 3.2% أقل من نسب النمو التي سجلها القطاع في فترات سابقة، لكنه يكتسب أهمية عندما يوضع في سياقه الاقتصادي، فالقطاع استطاع المحافظة على نموه رغم ارتفاع تكاليف البناء وتحديات التمويل والظروف الجيوسياسية في المنطقة.

وتشير البيانات كذلك إلى أن المساحات المرخصة للأغراض السكنية ارتفعت خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 10%، فيما شكلت الأبنية السكنية نحو 82.6% من إجمالي المساحات المرخصة، وهو ما يعكس استمرار الطلب على السكن والتطوير العقاري.

ولا تتوقف المؤشرات عند قطاع الإنشاءات. فبحسب دائرة مراقبة الشركات، بلغ عدد الشركات الجديدة المسجلة في المملكة خلال النصف الأول من عام 2026 3,753 شركة، مقابل 3,493 شركة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة قدرها 260 شركة وبنسبة 7%.

كما تجاوزت رؤوس الأموال الجديدة أو الناتجة عن زيادات رؤوس أموال الشركات مليار دينار، في حين انخفض عدد الشركات التي تم فسخها أو شطبها بنسبة 16%.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل إجمالي الشركات المسجلة في المملكة ولا تعني أن جميعها شركات عقارية. لكن قراءة المؤشرين معاً ــ نمو الشركات من جهة، وارتفاع رخص الأبنية من جهة أخرى ــ تعطي إشارة أوسع إلى تحسن النشاط الاستثماري ووجود ثقة نسبية بالسوق الأردني.

ومن زاوية الاستثمار الأجنبي، يمكن لهذه المؤشرات أن تشكل رسالة مهمة. فالمستثمر غير الأردني عندما يبحث عن وجهة لاستثماراته لا ينظر فقط إلى حجم العائد المتوقع، وإنما يدرس أيضاً الاستقرار السياسي والاقتصادي، ووضوح التشريعات، وسهولة الإجراءات، وحجم الطلب المحلي، وإمكانية التوسع في السوق.

وهنا تقع على الحكومة مسؤولية كبيرة في اقتناص الفرصة قبل أن تضيع.

فارتفاع رخص الأبنية وتزايد تسجيل الشركات يجب ألا يبقيا مجرد أرقام في التقارير الرسمية، وإنما ينبغي تحويلهما إلى سياسة اقتصادية تستهدف جذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، خصوصاً في قطاعات الإسكان والسياحة والتطوير العقاري والمشروعات التجارية والصناعية.

والخطوة الأولى تبدأ من تسهيل الإجراءات. فاختصار مدة الحصول على رخص البناء، وتوحيد الإجراءات، والتوسع في الخدمات الإلكترونية، وتوفير خريطة استثمارية واضحة للأراضي والمشروعات، واستقرار التشريعات والرسوم، كلها عوامل يمكن أن تجعل الأردن أكثر جاذبية للمستثمر.

كما أن منح حوافز مدروسة للمشروعات التي توفر فرص عمل أو تستقطب رأس مال أجنبي يمكن أن يضاعف الأثر الاقتصادي للقطاع، خصوصاً إذا امتدت الاستثمارات إلى المحافظات، بدلاً من تركّزها في العاصمة فقط. إن 12,070 رخصة بناء خلال ستة أشهر، و3,753 شركة جديدة، ونمو سنوي في كلا المؤشرين، أرقام تستحق أن تُقرأ باعتبارها فرصة وليس مجرد إحصاءات.

الأردن يمتلك اليوم عنصراً مهماً يبحث عنه رأس المال: الاستقرار. والمطلوب أن يضاف إليه عنصر آخر لا يقل أهمية: سهولة الاستثمار.

فإذا نجحت الحكومة في تحويل الاستقرار إلى بيئة أكثر مرونة للمستثمر، فقد لا يكون نمو العقار والإنشاءات مجرد نتيجة للطلب الحالي، بل بداية لموجة استثمار جديدة ترفع النشاط الاقتصادي، وتخلق فرص عمل، وتزيد تدفقات رأس المال، وتعزز النمو.

المؤشرات تعطي إشارة إيجابية، والفرصة أمام الحكومة واضحة؛ والسؤال الحقيقي هو: هل نكتفي بمراقبة النمو، أم نمتلك الجرأة لاقتناصه؟

زر الذهاب إلى الأعلى