منبر الكلمة

العالم كلُّه يحتاج إلى مسح جباهِه بالرماد

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٢/٢٥
القس سامر عازر

اليوم يصادف أربعاء الرماد بموجب التقويم اليولياني الشرقي، ذاك التقويم الذي تسير بموجبه كنائسنا في الأردن بوحدة روحية جميلة، فنصوم معًا، ونصلي معًا، ونحتفل معًا بأسبوع الآلام والقيامة المجيدة، في انسجام كنسي يعبّر عن عمق الشركة والإيمان الواحد.

أربعاء الرماد ليس طقسًا شكليًا، ولا عادة موروثة، بل هو صرخة روحية في وجه الكبرياء البشري. حين تُمسح الجباه بالرماد، يُقال للإنسان: “اذكر أنك تراب وإلى التراب تعود”. إنها لحظة حقيقة، تسقط فيها أوهام القوة، وتتعرّى فيها ادعاءات السيطرة، ويقف الإنسان أمام ذاته وأمام الله بلا أقنعة.

لكن، أليس العالم اليوم بأسره بحاجة إلى هذا الرماد؟
نصلّي في هذا اليوم أن تكون هناك قيامة لعالمنا، قيامة من لغة السلاح إلى لغة الحوار، ومن منطق القوة إلى منطق التفاهم، ومن سباق التسلّح إلى سباق بناء الإنسان. لقد تعبنا من الحروب وأهوالها، وتعبنا من التلويح بها كأنها قدر محتوم. تعبنا من عالمٍ تُقاس فيه المكانة بترسانة الأسلحة، لا بقدرة الشعوب على أن تعيش بأمن وسلام.

نرى استمرار المعاناة في غزة، حتى وإن توقفت الحرب ظاهريًا، وتشكّل مجلس السلام، فالألم ما زال حاضرًا في البيوت والقلوب. ونرى تفاقم الأوضاع في الضفة الغربية وتصاعد العنف ومعاناة الناس يوميا، ونرى في المنطقة حشودًا عسكرية وتصريحات نارية متبادلة، تهدّد وتتوعد، وكأن نار الحرب لم تشبع بعد. وفي عالمنا الأوسع، ما تزال الحرب بين روسيا وأوكرانيا تحصد المزيد من الأرواح، وتخلّف مزيدًا من الدمار والخراب. ناهيك عن التوترات في بلادنا العربية، وازدياد نسب الفقر والبطالة، حتى بات الإنسان البسيط يدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

الأخطر من كل ذلك، أن تخرج علينا أحيانًا تصريحات سياسية تستخدم الكتب المقدسة لتبرير مزاعمها، في لاهوتٍ مشوَّه، بعيد كل البعد عن جوهر العقيدة المستقيمة والغاية السامية من الوحي الإلهي. فالكتب المقدسة لم تُعطَ لتكون وقودًا للصراع، بل نورًا للهداية، وبوصلةً للعدالة، ودعوةً للرحمة.

العالم اليوم يحتاج إلى توبة حقيقية، لا إلى بيانات سياسية. يحتاج إلى مسح جبينه بالرماد، اعترافًا بأن الإنسان، مهما قوي وتجبر، فهو في النهاية تراب ورماد. يحتاج إلى أن يرجع إلى جوهر التعاليم السماوية: كرامة الإنسان، قدسية الحياة، أولوية العدالة، وأولوية العدالة والسلام.

الرماد ليس علامة يأس، بل بداية رجاء. هو إعلان بأننا نرفض أن تبقى القَسوة قدرًا، وأن العنف حتمية، وأن الحرب خيارًا مشروعًا. هو اعتراف بخطأنا الجماعي، وبحاجتنا إلى تصحيح المسار.

فليتنا اليوم، ونحن نُمسَحُ بالرماد، لا نفكر فقط بخطايانا الفردية، بل بخطايا عالمٍ بأسره. ليت الرماد يمتدّ رمزيًا إلى جبين الإنسانية كلها، فيوقظ الضمير، ويعيد ترتيب الأولويات، ويقودنا إلى قيامة حقيقية، قيامة إنسانٍ جديد، يؤمن أن السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة، وأن العدالة ليست شعارًا، بل مسؤولية.
العالم كلّه يحتاج إلى مسح جباهه بالرماد…
لعلّه يتذكّر أنه تراب، فيتعلّم أخيرًا كيف يكون إنسانًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى