
د. نبيل الكوفحي
حكم الصيام وآثاره كثيرة، وان كانت القيمة الأكبر من الصيام هي ما جاء في تحقيق التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وهي ذات الغاية المراد تحقيقها في كل العبادات كما جاء في القران الكريم (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
والصيام ممارسة للصبر حيث يصبر على الجوع والعطش، خاصة في ايام الصيف، حيث تشتد الحرارة ويطول النهار، في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: الصومُ لي وأنا أَجزي به، يدَعُ شهوتَه وأكلَه وشُربَه من أجلي، والصومُ جُنَّةٌ، وللصائم فرحتانِ: فرحةٌ حين يفطِرُ، وفرحةٌ حين يَلْقَى ربَّه، ولخُلوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عند اللهِ من رِيحِ المسكِ).
الصبر قيمة كبرى للإنسان للمؤمن، وقد تناولها القران الكثير في كثير من مواضع التوجيه، قال تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). وجعل نتيجة ذلك مفازة عظيمة كما جاء في قوله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، وقوله ايضا ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).
والصبر المصحوب بالأجر يحتاج لبناء التقوى في الإنسان اولا، لذلك نجد في الايات ربط الصبر بكثير من العبادات. وقد جسّد القران واقعا يقتدى به لحقيقة الصبر المرتبط بالتقوى، ومن أعظم تلك الحالات ما جاء على لسان سيدنا يوسف عليه السلام في خطابه لإخوانه بعد ان مكنه الله قوله تعالى ( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، نعم إن تمكين يوسف عليه السلام كان نتيجة ( انه من يتق الله ويصبر) فالصبر يثبت القلب عن طريق التقوى ويعطيه زادا للاستمرار في مواجهة العواصف.
اكبر مانع لاكتساب الصبر هو وساوس الشيطان، وبالصيام نضيق عليه كما جاء بالحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع). وفي دليل آخر نحفظه ونردده كثيرا عن دور الصيام في ضبط السلوك وعدم طاعة الشيطان ما جاء عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).
فلنغتنم فرصة رمضان الذي نحن فيه، فربما لا يعود لبعضنا، فكم من اهل وأحبة كانوا معنا في رمضان السابق، وانتقلوا لرحمة الله تعالى، جاء في الحديث؛ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه ( اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك). فنكون من الفائزين ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون).
وتقبل الله صيامكم وجملكم بالصبر، وحقق لكم التقوى، واعطاكم منزلة المحسنين.



