منبر الكلمة

في التناقض بين المفهوم والمعلوم

هاني عضاضة

 

انطلاقاً من الاعتراف بالهزيمة يُمكن البحث في الخيارات، وتقسيمها بين تلك المفروضة على لبنان وبكيفية التعامل معها، وبين تلك المتاحة للبنان والتي يمنع الوضع القائم – الذي يؤبّده العناد الإنكاري – إمكانية استغلالها، وهي خيارات ربما تفتح باباً للأمل بتجاوز عبء بعض الخيارات المفروضة.

هو صراعٌ مستمرٌ بين المفاهيم المجرّدة والواقع الإنساني المعقّد، بين عالمٍ متخيّل “يجب أن يكون” وواقع “ما هو كائن”، وبينهما تضمحلُّ احتمالاتٌ عدة لممكناتٍ كامنة، لا تبتغي التوفيق بين ما هو مرغوبٌ فيه من دون جدال وما هو مُذعَنٌ له دون قتال. صراعٌ تفتحُ فيه الرؤى المستندة إلى الأخلاق حصراً الباب أمام إشكالية أخلاقية قائمة بذاتها. فكيف يُعاش بمقتضى الحق المُطلَق، ويُغفَل الحق في الحياة فيصير ثانوياً في منظور المطلق نفسه، وأداةً لإعادة إنتاج مظلومية تعمّق الحق الأول على حساب الثاني، لتحيا حياة الحق على حساب الحق في الحياة؟

تحتلُّ “التضحية” مكانةً مركزيةً في الذهن الديني، وتتعاظم سطوتها على العقل الجمعي طرداً مع اتساع رقعة المأساة وتزايد حجم التضحيات، فتغدو التضحية تدريجياً غاية في ذاتها، بعدما كانت وسيلةً قسريةً لا مفرَّ منها. عندئذٍ يتعطَّلُ التفكير النقدي، ويُستبدل شكّ العقل بيقين العاطفة، ويُقدَّم مفهوم الحق على الحق في الحياة نفسها، ويختلُّ التوازن بينهما. فيصير الإيمان تحجّراً، والعدالة ثأراً، والمبدأ معضلةً، والإكراه واجباً، والنقد أو الحكمة خيانةً، وتتشظى الأخلاق إلى نقيضها. ووسط غياب المعنى الجوهري، تتكشّف معاناة الاغتراب بين الإرادة والواقع، ويصوغ ضحاياها مفاهيم جديدة تُجمِّل العذابات، وتكسوها بالشعارات.

في باطن الأفعال يُطرح السؤال: هل تبرّر نية الفاعل الفعلَ بالمطلق؟ أم أن ميدان الشرعية يقع في العواقب الملموسة للفعل وتأثيرِه على ما يتعدى نطاق الفاعل نفسه؟ هنا ينكشف التناقض بين ما هو مثالي يتعالى فوق شروط الواقع، وبالتالي موازين القوى فيه، وبين ما هو مادي يقيم التوازن بين ما هو أخلاقي وما هو واقعي، على أساس النتائج المحتملة. فلا احتمالات في الفكر المثالي بل ثنائيات متضادة ومطلقة، لا يحيا بينهما ثالثٌ، ولا حتميات في الفكر المادي – الجدلي والحديث وليس الكلاسيكي – بل انعدامٌ لليقين التام وبحثٌ مستمرٌ في النتائج المحتملة – وليس المتوقعة – بناءً على توازنات الواقع، شرطَ أن يتمكّن صاحب الفكر من قراءتها بعينٍ مادية – لا تخيُّلها.

لم تكن حسابات “حزب الله” مثالية تماماً عندما أعلن فتح “جبهة الإسناد” دعماً لحركة “حماس” في غزة، ولكنها لم تكن مادية تماماً أيضاً. في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 كان الحزب بين خيارين كلاهما مرٌّ: حربٌ شاملة اتضح أنه لم يكن على كامل الجاهزية للتصدي لها بخاصة على المستوى الأمني، أو مراقبة صامتة لحركة “حماس” وهي تقاتل لوحدها بعد صدمة “طوفان الأقصى”، وهو ما وضع الحزب تحت وطأة ضغوطات سياسية كبيرة لم يكن في استطاعته تحمّل تبعاتها بعد سنوات من التصعيد الخطابي. وجد الحزب نفسه في تلك اللحظة في موقع الدفاع عن مصداقيته، عالقاً بين كمّاشة وعوده الخطابية من جهة، والتهديدات الكبيرة، وبخاصة تهديدات واشنطن بعد تمركز السفن الحربية وحاملات الطائرات الأميركية في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

مثّل إعلان “جبهة الإسناد” ومحاولة فرض قواعد للاشتباك ضمن نطاق جغرافي ووتيرة عمليات محدَّدين منذ عامين، أفضل الممكن بالنسبة الى “حزب الله” في ذلك الوقت. فقد امتلكت قيادة الحزب حينها قدرةً على قراءة الأحداث بدرجة معقولة من الموضوعية، مستندةً إلى فهم واقعي لموازين القوى، ومتجنبةً الوقوع في فخ ردود الفعل العشوائية، رغم ما استدعاه ذلك من خلافات على المستوى الداخلي في لبنان.

غير أن هذه القراءة الموضوعية كانت نسبيةً إلى حدٍ بعيد، إذ إن العجلة في فتح تلك الجبهة من الأساس واتخاذ قرار مصيري كهذا، تتعارض مع المنطق الموضوعي القائم على استبصار ردود فعل العدو ومحاولة فرض شروط التكيّف عليه. فكيف يمكن إلزام إسرائيل بالالتزام بضوابط اشتباك معينة، إذا لم تكن الغلبة الاستراتيجية واليد العليا لمن يسعى الى فرضها؟ عند هذه النقطة نعود مجدداً إلى إشكالية التناقض بين الإرادة الذاتية والواقع الموضوعي. وإذا كانت هذه الإشكالية قد ضُبِطت ضمن حدود معينة في ظل قيادة “حزب الله” السابقة، قبل أن ينهار الهيكل تحت وطأة الخروقات الأمنية، فهي قد تفاقمت إلى درجة كارثية في ظل قيادته الحالية، بل وتحوَّل تغليب الإرادة على الواقع ورفض إقامة التوازن بينهما إلى منطقٍ أيديولوجي تتبناه القاعدة الجماهيرية.

لا بد أن تستمر المعاناة في التصاعد في حال سقوط لبنان في فخ مواجهة غير متكافئة على الإطلاق، انطلاقاً من الإيمان وحده – حتى ولو كان السبب الفعلي وراء هذا الإيمان هو الحفاظ على علاقة الحزب بإيران – وليس بناءً على قراءة موضوعية ترتكز على حساب النتائج والتبعات – من منظور المصلحة اللبنانية – والاحتمالات الأكثر قسوة التي قد تترتب عليها. فما كان قراراً تكتيكياً في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بدأ يتحوّل إلى استراتيجية ثابتة لا تقبل المراجعة، على الرغم من أن وضع الحزب كان أفضل بأضعافٍ مضاعفة في ذلك الحين، بينما هو اليوم أسوأ بكثير. هذه معادلة خاسرة سلفاً، ليس فقط بسبب الاختلال الهائل في موازين القوى، بل لأن المواجهة لم تعد وسيلةً للحماية، بل غدت هي الغاية القصوى ذاتها. ولهذا السبب بالتحديد يُسخَّف دورُ الدولة، لأنها عاجزة عن خوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل، في حين أن من يرفع راية المواجهة من موقعٍ يُقيّد دور الدولة في الحماية يُدرِك سلفاً أنه هو الآخر لم يعد قادراً عليها. معادلةٌ تصل إلى حدّ السوريالية.

لسنا إزاء مجرّد إشكالية فكرية قابلةٍ للنقاش في ظروفٍ سليمة، أو حتى شبه سليمة، فثقافة الفكر المُطلَق لا تكتفي بافتراض وجود حقائق مطلقة، بل تحاول أن تفرض ما تراه كذلك. أول شروط هذا الفرض هو رفض “المحتمل” لصالح “الحتمي”. رفض احتمال أن تتمكن الدولة من حماية أرضها وشعبها، بأي وسيلة ممكنة، لصالح حتمية الشرّ الإسرائيلي المُطلَق، ليصير ما يواجهه ممثلاً لخيرٍ مُطلَق، ويستحيل ما بينهما سراباً، وينتقل الفعلُ من دائرة “الفاعلية” التي تقيس نجاحها بتأثيرها في الواقع، إلى دائرة “الرمزية” التي تكتفي بتحقيق طهرانية الذات وتماسك المبدأ، بغض النظر عن العواقب. وعادةً ما تكون عواقب المُطلَق السحق التام، فالمُطلَق لا تروقه السباحة إلا في فضاء المقابر الجماعية.

في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة، وعلى رأسها اتفاق غزة – الذي قد ينهار في أي لحظة –، أصبح لبنان عرضةً للاستفراد الكلي. فهذا الاتفاق لم يكن نتاجَ توازنات معينة بين إسرائيل وحركة “حماس” فحسب، بل جاء نتيجة تسوية إقليمية كبرى، نضجت بعد عامين من المعاناة والإبادة الجماعية لأهل غزة، وسط صمتٍ دولي وعربي مريب. فهل يُراد للبنان أن يتعرّض لمأساة مماثلة، كي يدخل في تسويةٍ مذلّة تفرضُ التطبيع مع إسرائيل من موقع الضعف والمهانة؟ أليس من الأجدر، حفظاً لكرامة اللبنانيين، ولا سيما أهل الجنوب، أن نسلك طريق تسوية عادلة قبل أن تحلّ ويلات الحرب ودمارها مجدداً؟ فأسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تنتج من خيار حصر السلاح بيد الدولة، هو أفضل من أفضل الاحتمالات التي يمكن أن تنتج من الخيارات التي يتمسّك بها “حزب الله”، حتى ولو كانت في الأمر مخاطرة، لكنها مخاطرةٌ في فضاء الممكن، لا المُطلَق.

بين خيار موتٍ شريفٍ محتّم بلا أفق، وخيار إنقاذ حياة الملايين بتنازلات محدودة، تتهاوى المعادلة التقليدية للشرف، لتُفسِح المجال أمام أولوية الحياة. فما الفرق حقاً بين جرائم الذكور الرجعيين ضد نسائهم باسم الشرف، وبين جرِّ مجتمعٍ كاملٍ نحو خيارات انتحارية باسم الشرف أيضاً؟ أين حق المجتمع في الحياة؟ وأين حقه في الدفاع عن نفسه بقراره الذاتي، من دون أن يتعرّض للتدجين والتجنيد بكل أسباب الخوف، وباسم الشرف أيضاً؟ تسقط معادلة الموت الحقيقي مقابل الشرف الرمزي حين تبرز معادلات أخرى يمكن أن تحفظ حق المجتمع في الحياة مقابل تنازلات لا تجرّده من كرامته. فالقتال باسم الشرف وحده، من دون مراعاة ظروف الواقع وموازين القوى غير المتكافئة على جميع المستويات، هو قتال يقود المجتمع بالضرورة إلى فقدان كرامته الحقيقية، التي لا ترتكز على شعارات المظلومية، بل على حقه في العيش تحت سقف يقيه البرد والمطر والشمس الحارقة، وفي الحصول على ما يكفي من طعام يدفع عنه آلام الجوع والحرمان، وفي القدرة على إعادة بناء دولته ومؤسساته بما يحفظ له شيئاً من كرامته أمام نفسه أولًا وأمام العالم ثانيًا.

يبدو مفهوم الشرف في الخطاب العام في مجتمعنا محصوراً في دائرة الذات الضيقة، نادراً ما يتجاوزها ليرتبط بمصلحة المجتمع أو الأمة. وهذا يقودنا إلى مفارقة جديدة: الجزء شريفٌ والكل فاقدٌ للشرف. وتبرز أيضاً أسئلة جوهرية: هل كان الجنود اليابانيون في الحرب العالمية الثانية، الذين فضّلوا الانتحار على الاستسلام في المعارك، يمتلكون وحدهم صكوك الشرف من دون غيرهم من اليابانيين؟ أم أن الجنود السوفيات الذين انسحبوا في وجه الزحف النازي في بداية الحرب العالمية الثانية، محافظين على قواتهم لمعارك مصيرية لاحقة، كانوا بلا شرف؟ وهل كان البلاشفة، حين وقّعوا اتفاقية بريست ليتوفسك وأعلنوا الانسحاب من الحرب العالمية الأولى وتنازلوا عن أجزاء كبيرة من الأرض مقابل حفظ حياة الملايين من الروس في ظروفٍ شهدت اختلالاً كبيراً في موازين القوى، بلا شرف أيضاً؟ في المشرق العربي تحديداً، يخضع هذا المفهوم لعملية اختزال كبيرة، فيصير الفرد الذي يستمر في القتال، حتى لو قاد ذلك إلى تصفية القضية ودمار المجتمع، هو “الشريف” الوحيد. بينما تُحرم الجماعة الباحثة عن حلول عملية من هذا الوصف، فيتحول الفرد إلى منقذ افتراضي لشرفٍ ضائع، ويصبح “الشرف” نفسه – كما “التضحية” – هدفاً قائماً بذاته، منفصلاً عن أي مكاسب واقعية.

ويمكن إرجاع ظاهرة الشرف إلى سطوة البنى الاجتماعية التقليدية من قبائل وطوائف. فالدولة تقوم على فكرة “الأمة” التي تلتقي على أرضية التاريخ والثقافة المشتركين، أو “المجتمع” الذي يتعاقد على قيم موحدة بناءً على حاجات مشتركة. في غياب هذا الإطار الشامل، تتحول ثقافة الفرد أو جماعته الضيقة إلى أداة يُفترض بها استعادة شرف أمةٍ ومجتمعٍ يُنظر إليهما على أنهما “فاقدان للشرف” خارج هذا المنظور الذاتي الضيق. وما ينطبق على الفرد من اختزال للمفهوم ينطبق على الجماعة، التي تبقى – على رغم تماسكها الداخلي – غير قادرة على تشكيل مجتمع موحد أو أن تكون بديلاً عن إرادة الأمة بمفهومها الحضاري الأوسع.

وفي الحديث عن الجماعات: هناك جماعة تستجدي القتال وتنكر الهزيمة، وهناك في المقابل من يتوسّلها أن تتوقّف عن تعميق الهزيمة. وفي إنكار الواقع تبرز إشكالية أخرى، ربما تكون محور كل الإشكاليات المطروحة هنا. ففي الإنكار تعميقٌ لأي جرحٍ، أو مصيبة، أو هزيمة. في الإنكار تأبيدٌ للضبابية ومنعٌ للتجاوز والبدء من جديد. وفي الإنكار – في حالات معينة، كحالتنا نحن في لبنان بعد ست سنوات من انهيار ودمار مستمرّين – انتحارٌ، والسلوك الانتحاري يقع في صلب الفكر الانهزامي. ليس الانتحار حفاظًا على شرف، بل تضحيةٌ بصاحبه من أجل فكرة قابلةٍ للنقض. والأخطر من ذلك، في حالتنا، هو أن القرار الانتحاري جريمة بحق مجتمعٍ باسم الدفاع عنه وتحت شعارات ممزوجة بالمظلومية والإرادوية.

انطلاقاً من الاعتراف بالهزيمة يُمكن البحث في الخيارات، وتقسيمها بين تلك المفروضة على لبنان وبكيفية التعامل معها، وبين تلك المتاحة للبنان والتي يمنع الوضع القائم – الذي يؤبّده العناد الإنكاري – إمكانية استغلالها، وهي خيارات ربما تفتح باباً للأمل بتجاوز عبء بعض الخيارات المفروضة. فمن يستطيع إثبات أن نفي ما هو مفروض، أو بعضه، لا يكمنُ كممكنٍ في داخل ما هو متاح، أو بعضه، فليتفضل. والعكس يقع في نطاق التعسّف والانحراف التام عن كل منطق: فأي منطقٍ في أي فكرٍ يرى في نفي ما هو متاح إمكانيةً لنفي ما هو مفروض؟ هنا بالذات، وحينما تكون الهزيمة محققةً، يستحيل إنكارها انتحاراً، ويستحيل الانتحار انهزاميةً، وتستحيل الانهزامية مساراً متسلسلاً لهزائم انتصاريةٍ متناسلة.

لذلك، لا بد من الفصل بين الإيمان والتوقع. لا يمكن للإيمان بالذات أن يُلغى، لكن ما هي قادرة على فعله مرهونٌ بالشروط الموضوعية الواقعية للفعل نفسه، لا بالإيمان والإرادة الذاتيين. ومن هنا، تبرز أهمية الانطلاق من شروط الواقع نفسه، لا من الخيال، فردياً كان أم جماعياً. فالنزعة الدائمة لتغطية الخيارات اللاعقلانية بهالة من الإرادوية ممزوجة بنكهة المظلومية: أنا مظلوم، إذاً أفعل ما أريد، حتى لو كان ما أريد يضاعف من الظلم بحقي. هذا المنطق الذي يرى صاحبه ما يريد لأنه مظلوم، ولا يرى أنه يفاقم من مظلوميته بسبب ما يريد، هو منطق تدميرٍ ذاتي، وليس منطقاً للمواجهة مع أي آخر. فالتوهّم بأن الإرادة الذاتية تستطيع تحديد مسالك الصراع من دون مراعاة لموازين القوى، يضاعف من توحّش الأقوى، ويقلّص من فرص الأضعف في النجاة.

لا يعني التفكير بهذا المنطق استسلامًا للأقوى، بل إعادة اعتبارٍ للخيارات الممكنة، الواقعية، والبحث عن مساحات جديدة للأمل داخلها. فربما، قبل تحرير أي شيء آخر، يجب أن نعمل على تحرير مفاهيم التضحية، والشرف، والانتصار والهزيمة، من قيود الذات والخيال، وإعادة رسم الحدود بين الحقيقة الموضوعية، المنطلقة من شروط الواقع، وبين الحقيقة المتخيلة، المستمدة من إرادة الذات، وحقيقتها، والحق الذي تدعيه. بل ويجب أيضاً تحرير الأوهام الجماعية من مرآة العدو، حيث تنعكس الإرادة الذاتية، عبر إرادة العدو نفسه، فيفترض المتخيّل بالوهم أن هناك حدوداً للإرادة العدوانية والهمجية لعدوه انطلاقًا من حدود إرادته الذاتية المتخيّلة، والتي تفرض أيضاً حدوداً لضعفه وتراجعه، وكل ذلك من الخيال وإلى الخيال وحده.

وكل هذه التخيّلات تتمحور حول الذات لا الموضوع، فلا تنبثق من أرض الواقع، حيث لا تحدد الإرادة الذاتية لأي من الأطراف طبيعة المعادلة حتى لو دخلت في الحساب، بل تكون الغلبة لميزان القوى، وميزان القوة في هذه الحالة يشمل كل العوامل الذاتية والموضوعية، بما في ذلك الاصطفافات الإقليمية والدولية، التي تلعب دوراً أساسياً في ترجيح كفة أي طرف في أي صراع. وعلى أرض الواقع، يفرض أي اختلال في ميزان القوى المزيد من التوحش، وكلما تعمق هذا الاختلال واكتسب سمات بنيوية زاد الجنوح نحو توحش الطرف الأقوى. فما الهدف من استفزاز وتحدي الطرف الأقوى في وضعية مماثلة، وإضاعة فرصة رص الصفوف داخلياً بما لا يتعارض مع الشروط الخارجية القاسية التي تشمل رهن إعادة الإعمار بحل الملف الأمني عبر الدولة، وفي الوقت ذاته بما لا يتعارض مع حق سكان الجنوب اللبناني، وباقي اللبنانيين، بحفظ كرامتهم الإنسانية ومنع الدوس على جراحهم عبر تأزيم الوضع أكثر، الى درجة أن يصير التطبيع مع إسرائيل خياراً لا فكاك منه وإلا فالدمار الشامل والتهجير؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى