مال و أعمال

التراصف الاستراتيجي.. من الرؤية إلى الإنجاز

بقلم: الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح

مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي

افاق نيوز- تقاس قوة المؤسسات اليوم بقدرتها على التنفيذ أكثر من قدرتها على التخطيط فالرؤى الطموحة أصبحت متاحة للجميع والاستراتيجيات المتقدمة لم تعد حكرا على أحد أما الإنجاز الحقيقي فيتجسد في القدرة على ترجمة هذه الرؤى إلى نتائج ملموسة تنعكس على الأداء والتنافسية والاستدامة وفي هذا السياق برز التراصف الاستراتيجي باعتباره الرابط الحاسم بين ما تطمح المؤسسات إلى تحقيقه وما تنجح فعليا في إنجازه.

ويعد التراصف الاستراتيجي اليوم أحد أهم المفاهيم الإدارية التي تحدد قدرة المؤسسات على المنافسة والنمو والاستجابة للمتغيرات المتسارعة فهو يمثل حالة الانسجام والتكامل بين الرؤية المؤسسية والأهداف الاستراتيجية والهيكل التنظيمي والموارد البشرية والتقنية والعمليات التشغيلية بحيث تعمل جميع هذه المكونات ضمن منظومة موحدة تتجه نحو غاية مشتركة وعندما يتحقق هذا التراصف تصبح القرارات اليومية انعكاسا مباشرا للأهداف الكبرى ويتحول كل مشروع أو استثمار أو مبادرة إلى لبنة تسهم في تحقيق الرؤية المستقبلية.

تكمن أهمية التراصف الاستراتيجي في كونه يعالج واحدة من أكثر المشكلات المزمنة في عالم الإدارة وهي الفجوة بين التخطيط والتنفيذ فعلى الرغم من التطور الكبير في أدوات التخطيط الاستراتيجي ما تزال العديد من المؤسسات تواجه صعوبات حقيقية في ترجمة خططها إلى نتائج ملموسة وتشير تقارير معهد إدارة المشاريع إلى أن 56% فقط من المبادرات الاستراتيجية تحقق أهدافها المتوقعة في حين تتسبب الممارسات الضعيفة في التنفيذ وفقدان الاتساق المؤسسي بخسائر تصل إلى 109 ملايين دولار لكل مليار دولار يتم استثماره في المشاريع والبرامج المؤسسية هذه الأرقام لا تعكس ضعفا في جودة الخطط بقدر ما تكشف عن قصور في التراصف بين الاستراتيجية والتنفيذ.

ومن هذا المنطلق أصبح التراصف الاستراتيجي أحد الأصول غير الملموسة التي تحدد القيمة الحقيقية للمؤسسات الحديثة فالمؤسسة التي تنجح في تحقيق التراصف لا تكتفي بتحسين كفاءة العمليات أو رفع الإنتاجية، بل تبني قدرة مستدامة على توجيه مواردها نحو الأولويات الصحيحة وتسريع اتخاذ القرار وتقليل الهدر وتعزيز الابتكار ورفع قدرتها على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والتقنية المتلاحقة.

وتتجلى أهمية هذا المفهوم بصورة أكبر في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي فخلال العقد الماضي استثمرت المؤسسات حول العالم مئات المليارات من الدولارات في التكنولوجيا والرقمنة إلا أن نتائج هذه الاستثمارات تفاوتت بشكل كبير والسبب لا يعود إلى التكنولوجيا نفسها بل إلى درجة التراصف بين الاستثمار التقني والأهداف الاستراتيجية فالتقنيات المتقدمة لا تحقق قيمة تلقائية بل تكتسب قيمتها عندما تكون جزءا من رؤية واضحة تدعم النمو والتنافسية والابتكار ولهذا السبب لم يعد السؤال المطروح داخل مجالس الإدارة يتعلق بالتكنولوجيا التي يجب اقتناؤها بل بكيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة الأهداف الاستراتيجية وتحقيق أثر اقتصادي وتنموي ملموس.

كما يرتبط التراصف الاستراتيجي ارتباطا وثيقا بمفهوم الحوكمة المؤسسية فمجالس الإدارة الفاعلة لا يقتصر دورها على الرقابة والإشراف، بل تمتد مسؤوليتها إلى ضمان توافق القرارات والاستثمارات والسياسات مع التوجهات الاستراتيجية طويلة المدى وكلما ارتفعت مستويات الحوكمة المؤسسية ازدادت قدرة المؤسسة على الحفاظ على التراصف بين رؤيتها وأدائها الفعلي الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الاستدامة والقدرة التنافسية.

ولم يعد التراصف الاستراتيجي مقتصرا على مستوى المؤسسات فحسب، بل أصبح عاملا محوريا في نجاح الدول أيضا فالرؤى الوطنية الكبرى وخطط التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تحقق أهدافها ما لم تكن هناك مواءمة بين السياسات الحكومية والبرامج التنفيذية والاستثمارات والموارد البشرية والتقنيات الحديثة وتؤكد التجارب التنموية الناجحة حول العالم أن تحقيق التحول الاقتصادي المستدام يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة مختلف الجهات والمؤسسات على العمل ضمن إطار استراتيجي موحد يضمن تكامل الجهود وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وفي الأردن الذي يمضي بخطى ثابتة نحو تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي وتعزيز التحول الرقمي وتهيئة بيئة أكثر تنافسية للاستثمار والابتكار تزداد أهمية التراصف الاستراتيجي باعتباره الضامن الحقيقي لتحويل الخطط الوطنية إلى نتائج قابلة للقياس فنجاح أي رؤية تنموية لا يرتبط بجودة أهدافها فحسب، بل بقدرة المؤسسات على العمل ضمن منظومة متكاملة تتوحد فيها الأولويات وتتكامل فيها الأدوار وتتجه فيها الموارد نحو تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام ينعكس على النمو وفرص العمل وجودة الحياة.

وفي هذا السياق برزت نماذج إدارية عالمية ساهمت في ترسيخ مفهوم التراصف الاستراتيجي ولعل من أبرزها نموذج بطاقة الأداء المتوازن الذي طوره كل من “Robert Kaplan وDavid Norton” والذي ركز على تحويل الاستراتيجية إلى مجموعة مترابطة من الأهداف والمؤشرات والمبادرات القابلة للقياس والمتابعة وقد ساعد هذا النموذج المؤسسات على الربط بين الرؤية والأداء الفعلي وجعل الاستراتيجية جزءا من العمليات اليومية بدلا من بقائها إطارا نظريا معزولا.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة التأثير العميق في نماذج الأعمال يتجه مفهوم التراصف الاستراتيجي نحو مرحلة جديدة أكثر تعقيدا وأهمية فالتحدي لم يعد يتمثل في إدارة الموارد التقليدية فقط بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الإنسان والتقنية والبيانات والابتكار ضمن منظومة متكاملة والمؤسسات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة لن تكون بالضرورة الأكثر امتلاكا للتكنولوجيا، بل الأكثر قدرة على مواءمة التكنولوجيا مع رؤيتها الاستراتيجية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية مستدامة.

إن الحديث عن التراصف الاستراتيجي لم يعد ترفا إداريا أو مفهوما نظريا يقتصر على قاعات الاجتماعات والتقارير السنوية، بل أصبح ضرورة تنموية واقتصادية تفرضها طبيعة العصر وتسارع التحولات العالمية وفي الأردن حيث تتعاظم الطموحات الوطنية نحو التحديث الاقتصادي والتحول الرقمي وتعزيز التنافسية تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل الرؤية والسياسات والموارد

والجهود تعمل ضمن اتجاه واحد يترجم الطموحات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والاقتصاد على حد سواء.

فالأمم لا تتقدم بكثرة الخطط ولا المؤسسات تنجح بكثرة المبادرات، بل بقدرتها على توحيد الجهود حول هدف واضح وتحويل الرؤية إلى عمل والعمل إلى أثر والأثر إلى قصة نجاح مستدامة وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات سيبقى التراصف الاستراتيجي هو الفارق بين من يكتفي بإدارة الحاضر ومن يمتلك القدرة على صناعة المستقبل.

فحين تتوحد الرؤية مع التنفيذ لا تصبح الأهداف مجرد طموحات مكتوبة، بل تتحول إلى إنجازات تبنى بها المؤسسات وتنهض بها الأوطان.

زر الذهاب إلى الأعلى