
الزميل عدنان نصار يكتب: عيد الاستقلال الأردني… ذاكرة وطنٍ يصنع مستقبله كل يوم
عدنان نصّار
في الخامس والعشرين من أيار، لا يمرّ التاريخ في الأردن مرور المناسبات العابرة، بل يقف لحظةً أمام ذاته. إنه يومٌ تتقدّم فيه الذاكرة على الحاضر، ويستعيد فيه الأردنيون لحظة مفصلية عام 1946، حين أُعلن استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة، في محيطٍ كان ولا يزال يموج بالتحولات والتحديات.
عيد الاستقلال ليس مجرد احتفال رسمي، ولا مناسبة بروتوكولية تُرفع فيها الأعلام وتُلقى فيها الكلمات فقط، بل هو حالة وعي جماعي تعيد تعريف معنى الوطن، ومعنى أن تكون للدولة سيادتها الكاملة على قرارها ومسارها وهويتها. هو يومٌ يتجاوز الطقوس إلى المعنى، ويتجاوز الذكرى إلى الفكرة: فكرة الدولة التي وُلدت من إرادة، لا من صدفة.
منذ لحظة الاستقلال، دخل الأردن في مسارٍ طويل من بناء الدولة الحديثة، كانت أولى محطاته تثبيت الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، ثم الانتقال إلى تأسيس مؤسسات الدولة، وبناء الجيش والإدارة والتعليم، وصولاً إلى ترسيخ نموذج الدولة القادرة على الاستمرار رغم قلة الموارد وكثرة التحديات.
لم يكن الطريق سهلاً، فقد واجه الأردن منذ بداياته ظروفاً سياسية واقتصادية معقدة، لكنه استطاع عبر العقود أن يرسّخ مكانته كدولة تسعى إلى التوازن، وتتمسك بخيار الاستقرار، وتعمل على بناء نموذجها الخاص بعيداً عن الضجيج، وقريباً من الواقعية السياسية والتنموية.
لكن الاستقلال، في معناه العميق، لا يُقاس فقط بلحظة إعلان، بل يُقاس بقدرة الدولة على حماية هذا المعنى وتجديده باستمرار. فكل جيل أردني كان شريكاً في إعادة صياغة مفهوم الاستقلال، لا بوصفه حدثاً تاريخياً منجزاً، بل مشروعاً مستمراً يحتاج إلى العمل اليومي، والإيمان، والمشاركة.
وفي كل عام، يعود هذا اليوم ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً من مظاهر الاحتفال: ماذا يعني الاستقلال اليوم؟
هل هو فقط سيادة سياسية مكتملة؟ أم أنه أيضاً استقلال اقتصادي، وتعليمي، وتنموي، واستقلال في القرار المجتمعي القائم على الوعي والمسؤولية؟
إن الاستقلال الحقيقي يتجسد في قدرة المجتمع على إنتاج ذاته، وفي قدرة الدولة على تعزيز مناعتها الداخلية، وفي بناء اقتصاد قادر على الصمود، وتعليم يصنع الإنسان لا الموظف فقط، ومؤسسات قادرة على الاستمرار والتطور دون أن تفقد روحها.
وفي هذا السياق، يبدو الأردن مثالاً لدولة اختارت طريق التدرج في البناء، فحافظت على استقرارها وسط محيط مضطرب، وواصلت مسيرتها في التحديث السياسي والاقتصادي رغم التحديات المتراكمة، وظلت تحاول التوفيق بين ضرورات الواقع وطموحات المستقبل.
ومع تسارع التحولات في العالم، تزداد أهمية الاستقلال بوصفه قدرة على التكيف لا الانعزال، وعلى المشاركة لا الانغلاق، وعلى تعزيز الداخل الوطني ليكون أكثر قوة وصلابة في مواجهة الخارج. وهنا يظهر جوهر التجربة الأردنية: دولة تسعى إلى البقاء في قلب التوازن، لا على هامش الأحداث.
عيد الاستقلال أيضاً هو مناسبة لاستحضار الإنسان الأردني ذاته؛ ذلك الذي كان وما يزال شريكاً في البناء، في التعليم والعمل والإنتاج، وفي الحفاظ على استقرار المجتمع وتماسكه. فالدولة في النهاية ليست مؤسسات فقط، بل هي علاقة حية بين المواطن والوطن، تتجدد كل يوم بالفعل لا بالقول.
وهكذا، لا يبدو الخامس والعشرون من أيار مجرد ذكرى سنوية، بل مرآة وطنية يرى فيها الأردنيون أنفسهم: ما تحقق من إنجاز، وما تبقى من تحديات، وما يجب أن يكون عليه المستقبل.
هو يومٌ يقول فيه الأردن لنفسه: ما زال الطريق مستمراً، وما زال الاستقلال مشروعاً يُبنى كل يوم، لا صفحة تُطوى في التاريخ.
وكل عام والأردن أكثر قوةً وتماسكاً، وكل عام والاستقلال معنى يتجدد في الوعي الجمعي، لا ذكرى تُستعاد فقط في المناسبات.
