
الذهب يصعد بقوة في آب.. السياسة والفائدة ومشتريات البنوك المركزية تدفع المعدن الأصفر نحو مستويات جديدة
بقلم أ.د.عاطف البواب
دخل الذهب شهر آب/أغسطس 2026 بزخم صاعد واضح، بعدما تحرك من مستويات تقارب 4,000 دولار للأونصة في نهاية تموز، ليصل خلال الفترة من 1 إلى 13 آب/أغسطس إلى مستويات تجاوزت 4,400 دولار، في واحدة من أقوى موجاتالصعود خلال الأشهر الأخيرة. وتظهر بيانات العقود الآجلة أن الذهب أغلق عند نحو 4,340.70 دولار في 7 آب، ثم ارتفع إلى نحو 4,408.90 دولار في 12 آب، قبل أن يتراجع في 13 آب مع عمليات جني الأرباح.
ولم يكن هذا الصعود نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل العوامل الاقتصادية والنقدية والجيوسياسية. ففي بداية آب، استفاد الذهب من انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي خفف مخاوف التضخم وقلل الضغوط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة. وفي 4 آب، ارتفع الذهب مع تراجع النفط وتزايد تركيز المستثمرين على بيانات الوظائف الأميركية ومسار السياسة النقدية للفيدرالي.
لكن العامل الأكثر تأثيراً خلال الأيام التالية كان تغير توقعات أسعار الفائدة الأميركية. فقد أظهرت بيانات التضخم الأميركية لشهر تموز أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع بنسبة محدودة، وجاءت القراءة متوافقة إلى حد كبير مع توقعات الأسواق، ما أدى إلى تراجع احتمالات رفع الفائدة في أيلول. وبحسب رويترز، انخفضت احتمالات رفع الفائدة بعد صدور البيانات من نحو 46% إلى 40%، الأمر الذي دعم الذهب، خصوصاً أن انخفاض الفائدة والعوائد على السندات يقلل تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة مثل الذهب.
وفي 13 آب، جاءت بيانات أسعار المنتجين الأميركية لتضيف عاملاً جديداً إلى الصورة، إذ عززت البيانات توقعات إبقاء الفائدة دون رفع، رغم أن الذهب تعرض خلال اليوم نفسه لضغوط وجني أرباح بعد الارتفاعات المتتالية. وهذا يؤكد أن الاتجاه الصاعد لا يعني بالضرورة ارتفاعاً يومياً متواصلاً، بل قد يتخلله تصحيح سعري طبيعي.
أما العامل السياسي والجيوسياسي، فقد ظل حاضراً بقوة. فاستمرار التوترات في الشرق الأوسط، والقلق بشأن العلاقات الأميركية الإيرانية وأمن حركة التجارة والطاقة، دفع المستثمرين إلى الاحتفاظ بجزء من أموالهم في الأصول التي تُستخدم تقليدياً كملاذ آمن. كما أن المخاوف المتعلقة باستقلالية السياسة النقدية الأميركية والثقة في الأصول التقليدية عززت الطلب على الذهب.
ويبرز كذلك عامل مهم يتمثل في استمرار شراء البنوك المركزية للذهب. فقد بلغت المشتريات الصافية للبنوك المركزية خلال الربع الثاني من 2026 نحو 289 طناً، بقيمة تقدر بحوالي 45 مليار دولار، وهو ما يعكس استمرار توجه عدد كبير من البنوك المركزية إلى تنويع الاحتياطيات وزيادة حصة الذهب فيها.
ماذا عن الأسبوع المقبل؟
التوقعات للأسبوع الممتد من 17 إلى 21 آب/أغسطس تبدو متفائلة بحذر. فاستمرار ضعف الدولار، وتراجع توقعات رفع الفائدة، واستمرار التوترات الجيوسياسية، كلها عوامل يمكن أن تمنح الذهب فرصة لاختبار مستويات 4,450–4,500 دولار للأونصة. وفي المقابل، فإن قوة الدولار أو ارتفاع عوائد السندات قد يدفعان الذهب إلى تصحيح مؤقت.
وعلى المدى المتوسط، تبدو رؤية أكبر البنوك الأميركية إيجابية. إذ تشير توقعات J.P. Morgan إلى إمكانية وصول الذهب إلى نحو 6,000 دولار للأونصة، بينما خفّض Bank of Americaتوقعاته لمتوسط 2026 إلى نحو 4,360 دولاراً، مع استمرار رؤيته الصعودية على المدى الأطول. أما Goldman Sachsفتضع هدفاً يقارب 4,900 دولار للأونصة لنهاية 2026.
وعليه، فإن الذهب يدخل النصف الثاني من آب بمعادلة واضحة: تذبذب قصير الأجل، مقابل دعم قوي على المدى المتوسط. وإذا استمرت رهانات الأسواق على خفض أو تثبيت الفائدة الأميركية، بالتزامن مع استمرار مشتريات البنوك المركزية والتوترات الجيوسياسية، فإن احتمال بقاء الذهب فوق مستويات 4,300 دولار وعودته لاختبار 4,500 دولار يظل قائماً بقوة.
