منبر الكلمة

‎الذكي والخبيث: في التشابه والاختلاف بين أحمد الشرع ودونالد ترامب

يُظهر التقارب بين دونالد ترامب وأحمد الشرع  كيف يمكن للشخصيّات الكاريزمية أن تُعيد رسم مسارات الأمم، مستندة إلى الذكاء السياسي والبراغماتية، وإن كان ذلك بثمن باهظ،هذا التشابه، وإن بدا غريباً، يكشف عن حقيقة أعمق، وهي أن السياسة، في جوهرها، لعبة مصالح تتجاوز الحدود والأيديولوجيات.

ما كان لأحد من أمهر الخبراء السياسيين أو قادة المعارضة السورية السابقين الموزّعين بين إسطنبول والرياض والدوحة وعواصم أوروبية كثيرة، أن يتوقّع قبيل الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، أن يتنبّأ بأن القائد الجهادي أبو محمّد الجولاني سيرتدي قميصاً وربطة عنق، ويجد لنفسه اسماً وعائلة، ويجلس جنباً إلى جنب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره الرئيس الانتقالي لسوريا. 

وما كان حتى لأكثر المحلّلين حذاقة أن يتوقّع أن ترامب سوف يُسارع خلال أشهر فقط، إلى رفع المكافأة المالية التي بلغت عشرة ملايين دولار، لمن يُدلي بمعلومات تؤدّي إلى الإيقاع بالقائد الذي شارك مع البغدادي في تنظيم الدولة الإسلامية، ثم انشقّ عنه فشكّل فرعاً لـ”القاعدة” في سوريا، قبل أن ينجو بجلده من “القاعدة” ويشكّل تحالفاً أوسع، ثم يبني قنوات اتّصال خاصّة وسرّية مع البريطانيين والأميركان، ليغيّر المعادلة السورية برمّتها. 

ولكنّ الأمور تبدو أقرب إلى الفهم عادة بعد أن تقع، والمسائل المعقّدة تكاد تبدو بديهية بعد أن تُحلّ. ونظرة متأمّلة اليوم إلى طبيعة الرئيسين دونالد ترامب وأحمد الشرع تجعل المتدبّر يدرك ما الذي يجمع بين الرجلين. تأمّلت قبل كتابة هذا المقال، الصورة التي جمعت الرئيسين مع وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان في الرياض في أيّار/ مايو الماضي، وهم وقوف، كلّ تحت علم بلاده، وحاولت أن أفسّر نظرة كلّ من الرئيسين ترامب والشرع وتعابير وجهيهما. 

image-22-1024x738.png

يُظهر دونالد ترامب، في الصورة، ابتسامة عريضة، وتفترّ شفتاه عن أسنانه، وتنهض وجنتاه، ممّا يجعل العينين مجعّدتين عند الزوايا. هذا التعبير شائع عند السياسيين، وغالباً ما يتدرّبون عليه في جلسات التصوير الرسمية، وهو ينقل إحساساً بالراحة والثقة والودّ. 

بالمقابل، يبدو أحمد الشرع وقد رسم على وجهه تعابير محايدة ومتحفّظة. فمه مغلق بإحكام، ولكنّ عينيه تشيان بسعادة غامرة، وهو يحاول أن يُخفي شبح ابتسامة تريد أن تظهر على شفتيه. ويمكن تفسير هذا الموقف المتحفّظ على أنه رسمي، حذر، أو ببساطة انعكاس لخطورة اللقاء. الوجه الجادّ ينقل رسائل الجدّية وضبط النفس واتّخاذ وضعيّة حذرة. في الدبلوماسية، يمكن لتجنّب الابتسامة أن يخدم تأكيد خطورة اللحظة، أو تجنّب سوء التفسير (على سبيل المثال، أن يُنظر إليه على أنه مبتهج بشكل مفرط في سياق حسّاس يمكن أن يُثير كثيراً من الجدل والتكهنات) كما أنه يوصل رسالة السيطرة والهدوء، ويقدّمه كرجل دولة يركّز على الجوهر لا على الاستعراض.

يمكن قراءة هذا الاختلاف الواضح على مستواه الرمزي: فترامب يميل إلى الجانب الاستعراضي والعلاقات العامّة في الدبلوماسية، بينما يؤكّد الشرع الرسمية والجدّية. في بصريات الدبلوماسية، تلعب مثل هذه التناقضات أحياناً دوراً أمام الجماهير المحلّية: حيث يسلّط أحد القادة الضوء على التوافق، بينما يركّز الآخر على الحذر.

رجل الأعمال والبراغماتي يُبرمان صفقة

دخل ترامب المناقشات بغريزة رجل الأعمال، الذي تقوم لغته وخبرته وحياته بأكملها على تبادل المنافع. أهدافه مباشرة: تأمين التنازلات، تحقيق انتصارات ملموسة، وتقديم الخلاصة باعتبارها “نصراً”. تعامل مع القضيّة السورية كما لو كانت صفقة عقارية، مطالباً بشروط واضحة وجدول زمني سريع. بالنسبة إلى ترامب، كانت قيمة أي صفقة تتوقّف على مكاسبها الفورية — تخفيف التوتّرات، تمتين العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، فتح الفرص، وتوفير منصّة لإعلان النجاح. وفي خلفيّة عقله التجاري توجد – على الأرجح – صور الغاز والنفط في البحر المتوسّط والسيليكون في بادية الشام.

على النقيض من ذلك، قاد الشرع المحادثات بالواقعية المحسوبة لزعيم صاغته حقيقة أمّة مزّقتها الحرب. في الغالب، لم يكن الشرع يريد من ترامب أكثر من الاعتراف ووعد برفع العقوبات. ذهب إلى الرياض مدعوماً برعاية عربية واسعة، ودعم شعبي داخلي يقوم على الشعارات والعاطفة الجيّاشة وتجييش المظلومية في أوساط غالبية السنّة السوريين. ولكنّه ذهب أيضاً مكلوماً، تلطّخ جرائم الساحل التي حدثت قبل أسابيع من اللقاء سجلّ حكومته الوليدة. ووراءه مؤسّسات هشّة وحلفاء متشكّكون وشرائح واسعة من الشعب تنظر إليه وإلى تاريخه بريبة وحذر. ولذلك، لم يكن تركيزه على العناوين الجريئة، بل على ضمان بقاء الدولة وإدارة الضغوط الإقليمية بعناية. بالنسبة إلى الشرع، كان الحلّ الوسط أمراً كافياً ومرغوباً فيه، بحيث يمكن لأي اتّفاق أن يكون نقطة انطلاق نحو استقرار طويل الأمد، وليس مجرّد انتصار عابر.

لذلك، تكشّفت المفاوضات عن درس مثالي في إدارة التناقضات: كانت عين ترامب على الخليج وعين الخليج على الشرع وعين الشرع على البقاء في السلطة. ومع ذلك، أثبتت هذه الطبائع المتعارضة أنها مكمّلة لبعضها بعضاً. تضافر دافع رجل الأعمال نحو الإنجاز مع سعي السياسي البراغماتي لتحقيق الاستقرار. فكانت الحصيلة حصول الشرع على الاعتراف مع رفع للعقوبات لا يزال – رغم توقيع الرئيس – حبراً على ورق، فما زلت، مثل كثيرين، أعجز عن إرسال مائة دولار إلى أسرتي في سوريا عبر مصرف أو شركة تحويل رسمية، وأجد نفسي مضطرّاً إلى الطرق غير النظامية. ومع ذلك، تبقى الصفقة التي انبثقت عن اللقاء جديرة بالاحتفاء، لا لمحتواها المباشر ربما، بل لطبيعتها غير المألوفة. لقد أضفى اندفاع ترامب مسحة من الجرأة وربما التهوّر على العمليّة، في حين ضمن منهج الشرع الواقعي والمتدرّج ألّا تنهار. وهكذا وجد كلّ من الرجلين نجاحه الخاصّ: ترامب، بصفته رجل الصفقات، يستطيع أن يفاخر بأنه “أغلق” صفقة جديدة؛ فيما يستطيع الشرع أن يطمئن السوريين أنه انتزع تنازلات دون أن يفرّط بالسيادة.

مَثَل الدبلوماسية كمَثل الأعمال التجارية، تزدهر على مواءمة المصالح حتى عندما تتضارب الأساليب. في هذه الحالة، تمكّن البائع والاستراتيجي، صانع الصفقات والسياسي الواقعي، من إيجاد أرضيّة مشتركة. قد يكون تحالفهما هشّاً، ولكنّه يبرهن أنه يمكن للأساليب المتناقضة أن تتقارب أحياناً، على نحو متناقض، نحو نتيجة مشتركة.

ولكنّ الملاط الذي لصق أجزاء الاتّفاق معاً، كان التشابه الغريب في شخصيّة كلّ من الرئيسين ترامب والشرع، فما المشترك بين الرجلين؟

الجاذبية الشعبوية وصورة الغريب  

استثمر القائدان جاذبيّة شعبوية اكتسباها من فكرة الغريب، الذي يقتحم الأنظمة الراسخة فيصلح الفساد ويقيم العدل. وتعود جذور هذه الفكرة إلى أفلام الغرب الأميركي، حيث يصل رجل غريب غامض وماهر إلى بلدة فاسدة أو خارجة عن القانون لإعادة العدالة. هذه الشخصيّة، التي غالباً ما يكون لديها ماضٍ خفيّ وتعمل بمفردها، لا تعيقها الروابط المحلّية، مما يمكّنها من تحدّي الأخطاء المنهجية بشكل حاسم. ومن شاهد فيلم الرجل الذي بلا اسم لكلينت إيستوود، مثلاً، يعرف معنى هذه الفكرة التي ترمز إلى الأمل وقوّة الفرد في إحداث تغيير، غالباً بتكلفة شخصية كبيرة.

وجد شعار ترامب “لنجعل أميركا عظيمة من جديد”، صدى واسعاً لدى الأميركيين من الطبقات العاملة المنهكة من الفساد وفشل المؤسّسات، مقدّماً نفسه كرجل أعمال مناهض للنخب، يسعى إلى “تجفيف المستنقع”، خلفيّته كقطب عقاري ونجم برنامج “المتدرّب”، عزّزت صورته كشخصيّة غير سياسية تعِد بإرباك النظام التقليدي في واشنطن. 

وبصورة موازية، أعاد أحمد الشرع، القائد السابق لتنظيم مرتبط بـ”القاعدة”، تقديم نفسه بوصفه منقذاً قومياً في سوريا. ومقابل شعار ترامب المباشر “لنجعل أميركا عظيمة من جديد”، رفع الشرع شعار العودة إلى الفترة الأموية التي كانت فيها دمشق عاصمة لثلث العالم القديم، ووعد بإعادة الاعتبار للدولة واستعادة مكانتها بعد الانهيار. هذا الخطاب استمال قطاعات واسعة من الجماهير السنّية المتعطّشة إلى الاستقرار غبّ عقود من استبداد آل الأسد وما خلّفه من تفكّك. وشكّلت معاركه نحو النصر في عام 2024، استثماراً مباشراً في مشاعر مناهضة النظام، مقدّمة إياه كثائر لم يتلوّث بإخفاقات السياسة السورية التقليدية.

كـ “غريبين” عن السائد السياسي، وعد الرئيسان بالتغيير بدلاً من السكون، والقطيعة عوضاً عن بدل الاستمرارية. لقد حقّق ترامب انتصاراته في 2016 و2024، بفضل ناخبين سئموا العولمة و”الصوابية السياسية”، فيما استمدّ الشرع اندفاعه الصاعد في إدلب وما بعدها، من المظلوميّة السنّية وإنهاك الشارع السوري بالحرب الأهلية. غير أن هذه الجاذبية المشتركة تُبسّط القضايا المعقّدة: وعود ترامب الاقتصادية أغفلت التحدّيات البنيوية (ونحن نرى اليوم بداية تراجع الاقتصاد الأميركي ونشعر به يومياً) ورؤية الشرع لسوريا موحّدة وناهضة اقتصادياً تجاهلت الانقسامات القومية والطائفية، ولم ترَ التردّي الاقتصادي الذي لا تستطيع الكلمات المعسولة والوعود تغييره. ورغم أن خطابهما المناهض للمؤسّسات بدا مؤثّراً وقوياً، فإنه كثيراً ما غذّى الانقسام بدل أن يعزّز التماسك، وعمّق التفاوت بدل أن يؤكّد اللحمة الوطنية.

ليس غريباً أن يلتفّ الانتهازيون حول المنتصر، فالنجاح بطبيعته يجذب المؤيّدين الجدد كما يجذب قرص الحلوى الذباب. ويبذل الشرع جهداً دؤوباً لترسيخ حضوره في الوجدان العربي السنّي. وبينما ينشغل الغربيون بتحليل براغماتيته والتفكير في رفع العقوبات طمعاً في مكاسب إعادة الإعمار، يتشكّل في الداخل السوري خطاب موازٍ، يُعاد إنتاجه بعناية، لتمنحه شرعية غير قابلة للمنازعة في الشارع السنّي: سردية الأمويين.

غير أن هذه الجاذبية الأوّلية لا تقف عند حدود الاستمالة الشعبوية؛ بل تمهّد لتحول أعمق في العلاقة بين القائد وأتباعه، حيث يتجاوز الولاء البرنامج ليصبح ولاء شخصياً، كما يتّضح في ظاهرة طوائف الولاء.

طوائف الولاء بين ترامب والشرع

تحوّل المشروع السياسي لدونالد ترامب تدريجياً إلى ما يصفه وفرة من الباحثين بـ “طائفة ولاء” (cult) قائمة على السلطة الكاريزمية لزعيم الطائفة. فبدلاً من أن تضعف خروقاته المستمرّة للقواعد السياسية والسلوكية، وسخريته من النخب، وتحدّيه للأعراف الراسخة، مكانته، أصبحت أساساً لجاذبيّته. ويرى أنصاره في هذه الأفعال دليلاً على أصالته وشجاعته وقوّة شكيمته، ورسالة بأنه وحده القادر على مواجهة “النظام” (system) نيابة عنهم. ويتّخذ هذا النمط طابعاً احتفائياً هيستيرياً، كما جرى خلال احتلال مبنى الكونغرس في 6 كانون الثاني/ يناير 2001، وبات الانقلاب على الأعراف وتبنّي الهويّة الجمعيّة عبر شيطنة الأعداء، ومكافأة الولاء الشخصي على حساب المؤسّسات، هو الأمر الطبيعي والمقبول. وهكذا تتحوّل السياسة إلى طقوس ولاء، من الهتافات في المهرجانات الانتخابية إلى الشعارات والرموز، لتتشكّل طائفة ترامبية ترتبط بالزعيم ذاته أكثر مما ترتبط بأيديولوجيا أو برنامج سياسي.

وشبيه بذلك إلى حدّ معيّن ما يجري في سوريا، يثير صعود أحمد الشرع نقاشات مشابهة، وإن كانت أقلّ وضوحاً. فثمّة تحذيرات من أن محاولاته بناء جيش سوري جديد على أساس تعبئة دينية، قد تؤدي إلى تكريس الولاء لشخصه أكثر من الولاء للدولة. ويعتبر محلّلون معارضون أن سعيه لتوحيد الميليشيات السورية المتعّددة تحت قيادة مركزية، قد يفضي إلى تشكيل “طائفة” حول سلطته في أوساط السنّة، مع ما يرافق ذلك من إقصاء للأقلّيات. كما برزت ملامح “عبادة شخصية” متنامية، فبات يُحتفى به في قطاعات واسعة من المجتمع السنّي بوصفه محرّراً بعد سقوط الأسد، في صورة معكوسة لعبادة شخصية عائلة الأسد، ولكن بمنطق طائفي مختلف. وتحوّلت “سوريا الأسد” إلى “سوريا الشرع”، ورغم أن معظم المصادر تتجنّب وصف مشروعه صراحة بالطائفة، إلا أن الملامح واضحة: نمط من الحكم الشخصاني السلطوي، قائم على إعادة تشكيل الجذور الجهادية والخطاب السنّي الجامع في إطار قاعدة ولاء حصرية.

تُظهر حالتا ترامب والشرع أن السلطة الكاريزمية، إذا اقترنت بالأسلوب الشعبوي أو التعبئة الطائفية، قادرة على إنتاج حركات تتجاوز السياسة التقليدية، لتتّخذ هيئة أقرب “طوائف ولاء”، في كلتا الحالتين، يصبح الولاء للقائد، لا للمؤسّسات أو البرامج، هو الرابط الأساسي، وهو ما يُثير تساؤلات جوهرية حول استدامة هذا النمط السياسي وشموليّته.

مركزة السلطة  

يُظهر كلا القائدين ميلاً إلى مركزة السلطة، مفضلَين الولاء الشخصي على الأعراف المؤسّسية. أقصى ترامب الخبراء والمؤسّسات وحتى حزبه نفسه، معيّناً أفراد عائلته وموالين له شخصياً في مناصب رئيسية، محوّلاً البيت الأبيض إلى مسرح لشخصيته الاستعراضية. ولعلّ في استخدامه الواسع للأوامر التنفيذية – نحو 200 في ولايته الثانية بحلول منتصف 2025 – ما يعكس رغبته في التحكّم المباشر بالسياسات دون المرور بالكونغرس والبيروقراطية. على نحو مماثل، عزّز الشرع سلطته عبر نقل نموذج حكومة الإنقاذ السورية من إدلب إلى دمشق، معتمداً على موالين من “هيئة تحرير الشام”، وأفراد عائلته، ودستور مؤقّت يمنحه سلطات لا حدود لها ودون مساءلة.

سوى أنه في فراغ سوريا المؤسّسي، يهدّد اعتماد الشرع على أقاربه والمقرّبين منه وعلى حلفاء من ماضيه الجهادي، بإنشاء هياكل حكم جوفاء، على عكس الولايات المتّحدة، حيث لا تزال الضوابط الدستورية، رغم إجهادها، تقيّد مركزة السلطة في يد ترامب – حتى الآن على الأقلّ. لذلك يستطيع الشرع أن يكون رئيس السلطتين التنفيذية والقضائية وأن يمارس التشريع أيضاً، إما من خلال المراسيم الرئاسية، وإما من خلال تعيينه أعضاء مجلس الشعب المقبل على هواه. بل إنه لأوّل مرّة في تاريخ سوريا الحديث، ألغى منصب رئيس الوزراء، لكراهيّته أن يشاركه في الحكم أحد.

يُمكّن هذا التمركز اتّخاذ قرارات سريعة، لكنّه يقوّض الضوابط والتوازنات. تطهير ترامب للمسؤولين المزعومين بعدم الولاء، المُلقّبين بـ “الجمهوريين بالاسم فقط”، يوازي قمع الشرع لإقصاء جميع من لعب دوراً خلال الانتفاضة السورية على بشار الأسد من قادة المعارضة وقادة المجتمع المدني. ويؤطّر كلاهما سيطرته كضرورة لتغيير جذري، فيدّعي ترامب أنه يفعل ذلك لإصلاح نظام “فاسد”، والشرع لإعادة بناء أمّة محطّمة. سوى أن هذا النهج يخاطر بالاستبداد والهشاشة المؤسّسية، كما يتّضح من معارك ترامب القانونية بشأن التجاوز التنفيذي وقيود الشرع على الحرّيات، التي لاقت تهماً بتكرار أساليب الأسد. من دون مؤسّسات قوّية، يهدّد اعتمادهما على الشبكات الشخصية الاستقرار طويل الأمد.

خطاب الرجل القوي

يتبنّى كلّ من ترامب والشرع خطاب “الرجل القوي”، لإبراز الصلابة والقدرة على الحسم. يستخدم ترامب لغة مباشرة وساخرة، يهاجم فيها خصومه بوصفهم “ضعفاء” أو “خاسرين”، ولا يُخفي إعجابه بقادة استبداديين مثل فلاديمير بوتين وشي جين بينغ وكيم جونغ أون، مشيداً بقدرتهم الشخصية على فرض النظام وتطبيق القانون. وقد رسّخت وعوده التي أغدقها في اليوم الذي أسماه “يوم التحرير” (2 نيسان/ أبريل 2025) وخططه للترحيل الجماعي صورته كرجل لا تلين له قناة.

أما الشرع، المنطلق من جذوره الجهادية، فيعتمد خطاباً صلباً يركّز على الأمن وإحياء الأمّة. وقد تجسّد ذلك في سياساته الأمنية المشدّدة، وفرضه حكماً صارماً في إدلب نقله إلى دمشق بعد 2024، بما يعكس أسلوب الزعيم الذي يحكم بقبضة قوية. وقد عزّز الشرع فكرة أنه وجماعته هم من “حرّروا” السوريين من حكم الأسد، وبالتالي لم يجد غضاضة في رفع شعار “من يحرّر يقرّر”.

وأكثر ما يبرز تقارب الخطابين يتجسّد في مديح ترامب للشرع خلال لقائهما في أيّار/ مايو 2025، إذ وصفه بـ “الرجل القوي” ذي “الماضي الصلب”، والحال أن الرجلين كليهما يسعى إلى ترسيخ صورة الزعيم الذي لا يُهزم – ترامب في السياسة الداخلية، والشرع في تثبيت سلطته بعد سقوط الأسد. غير أن هذا النهج، رغم جاذبيته لدى أنصار متحمّسين، يُثير في المقابل قلق شرائح واسعة: فتصريحات ترامب النارية عمّقت الانقسامات الحزبية في الولايات المتّحدة، فيما تُثير مواقف الشرع السابقة الداعية إلى تطبيق “حكم الله” وسياساته الحالية، بما فيها المجازر بحقّ الأقلّيات مثل العلويين في الساحل والدروز في السويداء، مخاوف جماعات سورية رئيسية. وهكذا، فإن الشخصيّات القوية التي تستقطب الأنصار قد تتحوّل إلى مصدر لتصعيد التوتّر مع الخصوم، ومع أطراف دولية تخشى من الميول السلطوية.

النهج البراغماتي في السياسة الخارجية  

ينتهج كلا القائدين سياسة خارجية براغماتية تقوم على عقد الصفقات وتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية، معتبرين الدبلوماسية سلسلة من المقايضات. فمبدأ ترامب “أميركا أوّلاً” ركّز على تحقيق مصالح بلاده (وشركات) عبر اتّفاقيات مشتركة، مثل اتّفاقية التجارة الأميركية– المكسيكية – الكندية و”اتّفاقيات أبراهام” التي رسّخت مسار التطبيع العربي– الإسرائيلي، متجاهلاً إلى حدّ كبير دور المنظّمات الدولية. وقد واصل في ولايته الثانية النهج ذاته من خلال فرض تعريفات جمركية عقابية وصفقات هجرة تستهدف مكاسب اقتصادية مباشرة.

أما الشرع، الساعي إلى إضفاء شرعية على حكومته السورية الجديدة، فقد حرص على الإيحاء بأنه يقاتل “داعش” والتطرّف ويعالج ملفّ المقاتلين الأجانب، في الوقت نفسه الذي يفتح فيه قنوات تواصل مع إسرائيل ودول الخليج. وتأتي هذه المقاربة في إطار محاولة لتأمين رفع العقوبات الدولية وضمان القبول به إقليمياً ودولياً. إن إشاراته المتكرّرة تجاه إسرائيل – سواء عبر التهدئة على الحدود، أو عبر التلميح إلى ترتيبات أمنية مستقبلية – تشي برغبته في توظيف الورقة الإسرائيلية كأداة تفاوضية محورية. وهكذا، كما في حالة ترامب، ترجّح خطوات الشرع البقاء الفوري وقوّة التفاوض على حساب بناء أيديولوجية متماسكة.

ومع ذلك، فإن كلاً من الرجلين يتحرّك ضمن حدود حجمه وإمكاناته. فترامب، وهو على رأس الدولة الأقوى في العالم، يطلق تصريحات كبرى بحجم بلاده، كدعواته لضمّ كندا، أو حتى التفكير بضمّ أجزاء من المكسيك أو شراء غرينلاند، الجزيرة التابعة للتاج الدنماركي، في انسجام مع رؤيته التوسّعية الممزوجة بولعه بالقوّة والعظمة. مثل هذه المقولات، حتى وإن بدت غير واقعية، تخاطب جمهوره الداخلي وتغذّي صورة الزعيم الذي لا يرضى بالحدود القائمة.

في المقابل، يعمل الشرع على مقياس أصغر بكثير، متحدّثاً عن ضمّ طرابلس اللبنانية إلى سوريا، في استدعاء لخطاب “سوريا الكبرى”، الذي شدّ ما استُخدم في لحظات تاريخية لإثارة النزعة القومية. ويطرب الشرع لحديث مبعوث ترامب توم برّاك حول حدود دول الشرق الأوسط، ولا سيّما عندما أخبر قناة NTV أنه يعتقد “أن كلّ هذه الحدود تعود إلى سايكس- بيكو، واتّفاقية سيفر، وكلّ الحدود الفاشلة. لقد حان الوقت لإعادة ترسيمها والتوصّل إلى اتّفاق”. هذا الطرح، رغم محدوديته مقارنة بمطالب ترامب، يؤدّي وظيفة مشابهة، وهي تأكيد حضور الشرع كزعيم يملك رؤية تتجاوز حدود الدولة الحالية، وتمنحه رمزية تتخطّى إدارته اليومية لسوريا ما بعد الأسد.

وبينما يرى المراقب الغربي في تصريحات ترامب طموحات إمبراطورية، يقرأ السوريون والعرب في خطابات الشرع محاولة لإعادة إحياء فكرة قديمة – وإن كانت رمزية أكثر منها عملية – لتكريس صورته كقائد قومي لا يكتفي بإدارة البقاء، بل يسعى إلى مشروع أكبر.

ليس تطابقاً

ومع ذلك من الإجحاف البناء كثيراً على مثل هذا التشابه بين الشخصيّتين، ومن غير المنصف أن نقول إن التشابه يصل إلى حدّ التطابق.

يعمل ترامب داخل ديمقراطية راسخة تقيّد سلطته رغم صعوده الانتخابي في 2016 و2024، بينما يتحرّك الشرع في فراغ ما بعد الصراع، مستنداً إلى انتصار ثوري ودعم خارجي هشّ. خلفيّة ترامب كرجل أعمال منحته براعة إعلامية وقدرة على المساومة والمقايضة، في حين يعكس ماضي الشرع الجهادي براغماتية قسرية بلا خبرة مؤسّسية. وعلى المستوى العالمي، يصوغ ترامب سياسات قوّة عظمى، فيما ينشغل الشرع بتأمين البقاء والقبول الدولي. هذه الفوارق تفسّر خضوع ترامب لضوابط قانونية مقابل انكشاف الشرع لاحتمالات الاستبداد غير المقيّد.

وفيما يتمتّع كلا الرجلين بالذكاء، فإن ذكاء ترامب أقرب إلى الخبث الطفولي المنحرف، بينما ذكاء الشرع ذكاء شخص محنّك ومدرَّب. تتباين الآراء حول ذكاء دونالد ترامب بصورة حادّة، بما يعكس الانقسام السياسي والإعلامي في الولايات المتّحدة. فهناك من يراه صاحب ذكاء عملي وحدس استراتيجي، بينما يرى آخرون أن نجاحه يقوم على استغلال الإعلام أكثر من عمق فكري، وأن تصريحاته المتناقضة وأخطاءه تفضح محدودية قدراته. 

أما الشرع فيرى معظم المحلّلين أنه يمتلك قدراً لافتاً من الذكاء السياسي، تجلّى في قدرته على التكيّف مع التحوّلات الكبرى، والانتقال من موقع جهادي إلى موقع قيادي في مرحلة ما بعد الصراع. ويشير مؤيّدوه إلى براغماتيّته ومرونته في التعامل مع القوى الإقليمية والدولية، معتبرين ذلك مؤشّراً على نضوج سياسي يسهم في إعادة تشكيل دور سوريا. وحتى منتقدوه لا ينتقصون من ذكائه، ولكنّهم ينظرون إليه بريبة، معتبرين أن هذا الذكاء قد يكون أداة لإخفاء جذور أيديولوجية متشدّدة، أو لإعادة إنتاج أنماط سلطوية بواجهات جديدة. وفي كلّ الأحوال، يبقى ذكاؤه موضع اتّفاق، لكن يختلف التقييم فيما إذا كان يمثّل فرصة لبناء دولة أكثر استقراراً، أو مخاطرة بتكريس نمط حكم شخصاني ذي خلفيّة جهادية.

وختاماً، يُظهر التقارب بين دونالد ترامب وأحمد الشرع كيف يمكن للشخصيّات الكاريزمية أن تُعيد رسم مسارات الأمم، مستندة إلى الذكاء السياسي والبراغماتية، وإن كان ذلك بثمن باهظ. فبينما يتقاطع الرجلان في جاذبيّتهما الشعبوية، وطموحهما إلى مركزة السلطة، ونهجهما في عقد الصفقات، تبقى الفوارق بينهما شاهدة على اختلاف السياقات: يعمل ترمب داخل دولة مؤسّسات راسخة، بينما يسعى الشرع لتثبيت سلطته في بلد ممزّق.هذا التشابه، وإن بدا غريباً، يكشف عن حقيقة أعمق، وهي أن السياسة، في جوهرها، لعبة مصالح تتجاوز الحدود والأيديولوجيات. لكنّ السؤال الذي يظلّ معلّقاً هو ما إذا كانت هذه القيادات، بذكائها وخبثها، قادرة على إرساء استقرار دائم، أم أنها ستظلّ رهينة تناقضاتها، تؤجّج الجماهير وتُثير المخاوف في آنٍ معاً. وعلى السوريين والأميركيين، كلّ في سياقه، أن يتأمّلوا هذه المعادلة بعناية، فالزعيم الذي يعد بالخلاص قد لا يكون أكثر من مغامر يمكن أن يأخذ البلاد إلى مكان لا ترغب فيه.

وائل السواح – كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى