QFEX 2026
منبر الكلمة

الخيول بفرسانها، والمجالس بأهلها

كتبت: منى توفيق عثامنه

النقدُ بناءٌ مؤسَّسٌ على المقاييس والمعايير، وإن حاول الذوقُ أن يُطلق أحكامه. ولا يحقّ للناقد أن يظلّ أسير معايير زمانٍ مضى، متجاهلًا مؤثّرات العصور واختلاف البيئات وتباين التجارب؛ فقد تأثّرت الفنون والآداب بالنقد، وأسهم في تطويرها وتعديلها وتهذيبها وإنضاجها، دون أن يشعر المُنتقَد بالضرورة بحرجٍ أو ضعف؛ فالخطأ وارد، والزَّلّة قابلة للتصحيح، والاعتراف بها ليس انتقاصًا من صاحبها.

أمّا نقدُ الناس بوصفهم أشخاصًا، فيختلف باختلاف المقام والغاية والأسلوب. فالثناءُ الصادق خير، والكلمةُ الطيّبة أثرٌ جميل، أمّا مدحُ المرء بما ليس فيه فليس إنصافًا، كما أنّ ذكره بالسوء، ولو كان فيه بعضُ ما يُقال، لا يجعل الإساءةَ فضيلة. فشتّان بين كلمةٍ تُصلح، وأخرى تُفسد، وبين نقدٍ يُنصف، وتجريحٍ يستبيح.

لكنّ الأمر يختلف حين يتعلّق بزواجٍ، أو سَلَفٍ ودَين، أو تجارةٍ وبيع، أو أيّ معاملة تمسّ الأرزاق والعلاقات والمصائر. هنا قد يصبح ذكرُ العيوب، بقدر الحاجة ودون تشهير، أمانةً لا يجوز التفريط بها؛ إذ قد تُبنى على كلمةٍ واحدة قراراتٌ تغيّر حياة إنسان، وقد تُحفظ بها حقوقٌ، أو تُدفع بها خسارات.

فالجواب في مثل هذه المواقف أمانة، وما أثقل الأمانة حين يحملها الإنسان ثم يتهاون في أدائها! وليس من العدل أن نستر عيبًا مؤثّرًا يحتاج الآخر إلى معرفته، طلبًا لرضا الناس أو خوفًا من إحراجهم، كما ليس من الأمانة أن نبالغ أو نتّهم أو ننقل ما لم نتحقّق منه.

وما أصعب أن يدفع إنسانٌ ثمن كلمةٍ لم تُقَل في موضعها، أو حقيقةٍ حُجبت عنه حين احتاج إليها! وما أعظم الخسارات حين تُبنى القرارات على معلومات ناقصة أو أحكام بلا بيّنة. أفلا يكون من يملك الجواب الموثوق مسؤولًا عن قوله؟ وألا يصبح الصمت، في بعض المواقف، مشاركةً في خسارة كان يمكن تجنّبها؟

إنّ العواقب قد تتعلّق برزقٍ، أو مصيرٍ، أو مشاعر وخواطر، وليس كلُّ ما يُقال عن الناس غيبةً مذمومة، كما أنّ كلَّ ما يُقال باسم الحقيقة ليس حقيقةً بالضرورة؛ فالعبرة بالصدق، والحاجة، والعدل، ومقدار ما يقتضيه المقام.

وأحيانًا تسقط منّا كلماتٌ تحمل معاني متعدّدة، كما تصدر عنّا أحكامٌ دون بيّنة؛ وهنا يصبح الاعتذار واجبًا، ويغدو التصحيح فضيلة. فليس العيب أن يخطئ الإنسان، إنّما العيب أن يتمسّك بخطئه بعدما تتّضح له الحقيقة.

لقد أصبحت كثيرٌ من العلاقات الاجتماعية شجرةً بلا ماء، تذبل أغصانها كلّما غاب الصدق، وتتهاوى أوراقها كلّما تراجعت الثقة. أمّا الحقائق، فتبدو أحيانًا كأنّها حبيسةُ مخطوطاتٍ تحملها حمارةٌ عمياء، فلا تبلغ وجهتها، ولا يهتدي بها من ينتظرها.

لقد طُعنت جدرانُ الصدق، فخُرقت الثقة، وصار بعض الناس يخشون الحقيقة أكثر ممّا يخشون عواقب إخفائها؛ يطلبون الصراحة حين توافق أهواءهم، وينبذونها حين تكشف ما لا يريدون رؤيته.

إنّ قول الحقيقة عند الحاجة إليها رسالةٌ سامية، لا ينهض بها منافقٌ يتلوّن بحسب المصالح، ولا يحسنها مراوغٌ يتهرّب من عواقبها، ولا يدرك قيمتها من يستبدل جوهر المواقف بمظاهرها، ويقيس الناس بما يرتدون لا بما يحملون من فكرٍ ومبدأ.

فالخيول بفرسانها ، والمجالس بأهلها ، فمن اتقى وأصلح هو الفائز ،وللعباءة أكتافٌ خُلقت لتحملها، وللمجالس صدورٌ تتّسع للحقيقة، وعتباتٌ لا ينبغي أن تكون حواجزَ أمام كلمة الحق يقول مثل شعبيّ المجالس ملازِم .
فكم من عصفورٍ غنّى من فرط الألم، وكم من ديكٍ ذُبح قبل الإصباح، فغاب صوته قبل أن يُعلن الفجر!

فلا ليلٌ يعاتب، ولا سلامٌ يبلغ ليلى، ولا غنّى الهوى لليلى كما كان يُرجى…

فهل سافرتِ يا ليلى، وبقي هاهنا مجانينُ وحمقى؟

زر الذهاب إلى الأعلى