
الخصم والحكم تحت مظلة واحدة.. من يدير النيابة العامة؟
بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية
في أي نظام عدلي سليم، لا يكفي أن يكون القاضي نزيهًا، ولا يكفي أن يؤدي المدعي العام عمله بإخلاص، ولا يكفي أن ينص القانون على استقلال القضاء. فالدولة التي تريد عدالة حقيقية لا تبني مؤسساتها على حسن النوايا، بل على (فصل واضح في الاختصاصات، وتوازن دقيق في السلطات، وضمانات مؤسسية تمنع اختلاط الأدوار).
ومن هنا يبرز سؤال قانوني ومؤسسي شديد الأهمية في الأردن:
كيف يكون المجلس القضائي هو الجهة التي تعيّن القضاة، وفي الوقت نفسه الجهة التي تعيّن رئيس النيابة العامة، فيما النيابة العامة تمثل طرفًا أصيلًا في الخصومة الجزائية أمام القضاة أنفسهم؟
قد يكون الجواب القانوني المباشر واضحًا: القانون أعطى المجلس القضائي هذه الصلاحية.
لكن كون الأمر قانونيًا لا يعني بالضرورة أنه الخيار المؤسسي الأفضل.
فالحديث هنا ليس عن مخالفة نص قانوني، وإنما عن سؤال أعمق:
(هل يتفق هذا التنظيم مع فلسفة الفصل بين وظيفة القضاء ووظيفة الادعاء؟)
القاضي يحكم.. والنيابة تطلب الحكم:
هناك فرق جوهري بين القاضي وبين عضو النيابة العامة.
القاضي يجلس على منصة الحكم ليكون محايدًا بين الخصوم. لا يمثل أحدًا، ولا ينحاز إلى طرف، ولا يبحث عن إدانة أو براءة. وظيفته هي وزن الأدلة وتطبيق القانون وإصدار الحكم.
أما النيابة العامة، فهي ليست قاضيًا؛ إنها جهاز الادعاء العام الذي يباشر الدعوى الجزائية باسم المجتمع، ويحقق، ويلاحق، ويوجه الاتهام، ويقدم البينة، ويطعن بالأحكام، ويمارس وظيفة الخصم في دعوى الحق العام.
صحيح أن النيابة العامة تمثل المصلحة العامة، وصحيح أنها يجب أن تبحث عن الحقيقة وليس عن الإدانة بأي ثمن، لكنها مع ذلك تبقى، من الناحية الإجرائية، طرفًا في الخصومة الجزائية.
وهنا تبدأ الإشكالية.
فإذا كان:
– المجلس القضائي يعين القاضي،
– والمجلس نفسه يعين المدعي العام،
– والمجلس نفسه يعين النائب العام،
– والمجلس نفسه يعين رئيس النيابة العامة،
فإن السؤال يصبح مشروعًا:
(هل من السليم أن يكون مصدر الإدارة والتعيين والمسار الوظيفي للقاضي وللخصم العام واحدًا؟)
ليس اتهامًا للقضاة.. بل سؤال عن النظام:
ينبغي أن يكون الأمر واضحًا: إثارة هذا السؤال ليست تشكيكًا في نزاهة القضاة ولا في حيادهم.
فالقاضي الأردني، بمجرد توليه منصة القضاء، ملزم بالاستقلال والحياد وعدم الخضوع لغير القانون.
لكن العدالة الحديثة لا تكتفي بالسؤال:
هل القاضي نزيه؟
بل تسأل أيضًا:
(هل النظام الذي يعمل داخله القاضي مصمم بطريقة تعزز هذه النزاهة وتحميها وتمنع حتى مجرد الشك في اختلاط الأدوار؟)
فالاستقلال القضائي ليس صفة أخلاقية فردية فقط.
إنه (هندسة مؤسسية).
والمؤسسات لا تبنى على افتراض أن جميع الأشخاص سيبقون مثاليين إلى الأبد، بل تبنى على قواعد تمنع الخلل حتى لو تغير الأشخاص.
ولهذا، فإن عبارة: (القضاة مستقلون، إذن لا توجد مشكلة) لا تجيب عن السؤال الحقيقي.
فالسؤال ليس عن نوايا القاضي، بل عن (فلسفة النظام الذي يجمع القاضي والمدعي العام تحت إدارة مؤسسية واحدة).
الأخطر: الانتقال من القاضي إلى المدعي العام والعكس:
الإشكالية لا تتوقف عند رئيس النيابة العامة.
بل تصبح أكثر وضوحًا عندما نرى أن الشخص نفسه قد يكون خلال مسيرته المهنية:
قاضيًا، ثم مدعيًا عامًا، ثم نائبًا عامًا، ثم يعود إلى القضاء.
وكأن الفرق بين القضاء والنيابة العامة مجرد (تغيير في المسمى الوظيفي أو المكتب الذي يجلس فيه الشخص).
وهنا يجب أن نتوقف.
هل وظيفة القاضي هي نفسها وظيفة المدعي العام؟
بالطبع لا.
– القاضي محايد، والمدعي العام مباشر للادعاء.
– القاضي يفصل بين الخصوم، والنيابة العامة طرف في الخصومة.
– القاضي يصدر الحكم، والنيابة العامة تطلب الحكم.
– القاضي لا يتلقى تعليمات بشأن قراره القضائي، بينما تقوم النيابة العامة، بطبيعتها التنظيمية، على درجات من الإشراف والرقابة والتدرج الوظيفي.
فكيف يمكن النظر إلى الوظيفتين باعتبارهما مجرد محطتين في مسار مهني واحد؟
إن القاضي الذي يُعَدّ للحكم يجب أن يُبنى مساره المهني منذ البداية على ثقافة الاستقلال والحياد والفصل بين الخصوم، أما عضو النيابة العامة فيُعَدّ لوظيفة مختلفة تمامًا، تقوم على التحقيق والملاحقة وحماية الحق العام وإدارة الدعوى الجزائية.
إن الجمع بين المسارين دون فاصل مؤسسي واضح يخلق انطباعًا بأن النيابة العامة ليست جهازًا مستقلاً في وظيفته، وإنما مجرد (قسم آخر داخل المؤسسة القضائية).
وهذا، في رأيي، تبسيط خطير لطبيعة وظيفة الادعاء العام.
رئيس النيابة العامة ليس مجرد قاضٍ يحمل لقبًا مختلفًا:
ينص قانون استقلال القضاء على أن رئيس النيابة العامة يعين بقرار من المجلس القضائي يقترن بالإرادة الملكية السامية.
كما يبين قانون أصول المحاكمات الجزائية أن رئيس النيابة العامة لدى محكمة التمييز يرأس أعلى درجات جهاز النيابة العامة، ويراقب أعمال النواب العامين ومساعديهم والمدعين العامين.
إذن نحن لا نتحدث عن وظيفة عادية.
نحن نتحدث عن (رأس الهرم الادعائي في الدولة).
والسؤال هنا:
هل من الطبيعي أن يختار المجلس المختص بإدارة شؤون القضاء الجالس رئيس الجهاز الذي يمثل الادعاء العام أمام هذا القضاء؟)
إن القول إن النيابة العامة جزء من السلطة القضائية لا ينهي النقاش.
فالمسألة ليست: هل يجب أن تكون النيابة العامة جزءًا من السلطة القضائية أم جزءًا من السلطة التنفيذية؟
هذا تقسيم ناقص.
فهناك احتمال ثالث أكثر نضجًا:
(أن تكون النيابة العامة جهازًا مستقلاً بذاته داخل منظومة العدالة، مستقلًا عن السلطة التنفيذية ومستقلًا في الوقت نفسه عن القضاء الجالس).
وبذلك لا يصبح المدعي العام تابعًا لوزير، ولا يصبح في الوقت ذاته جزءًا من الهيكل الإداري للقضاء الذي يفصل في القضايا التي يتولاها.
استقلال النيابة عن الحكومة لا يعني تبعيتها للقضاة:
هذه النقطة بالغة الأهمية.
عندما يطالب البعض بفصل النيابة العامة مؤسسيًا عن القضاء، قد يقال فورًا:
(وهل تريدون أن تصبح النيابة العامة تابعة للسلطة التنفيذية؟)
والجواب: لا.
فالخيار ليس محصورًا بين احتمالين:
إما أن تكون النيابة العامة تابعة للحكومة، أو تكون خاضعة إداريًا للمجلس القضائي.
هناك نموذج ثالث، وهو:
(مجلس مستقل للنيابة العامة).
مجلس يتولى إدارة شؤون جهاز الادعاء العام، ويكون مسؤولًا عن:
– تعيين أعضاء النيابة العامة.
– نقلهم.
– ترقيتهم.
– مساءلتهم تأديبيًا.
– تنظيم مسارهم الوظيفي.
– اختيار قيادات النيابة العامة.
– حماية استقلالهم.
– وضع السياسات العامة للادعاء.
وبذلك يصبح لدينا:
(مجلس قضائي للقضاة) و (مجلس للنيابة العامة لأعضاء الادعاء العام).
ولا يعني ذلك الفصل بينهما في الغاية، فالجميع يعمل في سبيل تحقيق العدالة.
لكن يجب الفصل بينهما في الوظيفة والبنية والمسار المهني.
هل يجوز أن يكون الخصم والحكم تحت مظلة وظيفية واحدة؟:
هذا هو السؤال الذي لا يجوز الهروب منه.
لا نقول إن القاضي والنيابة العامة متساويان في الوظيفة.
ولا نقول إن النيابة العامة تملك سلطة على القاضي.
ولا نقول إن المجلس القضائي يتدخل في أحكام القضاة.
لكننا نقول إن وحدة المظلة المؤسسية لا تعني دائمًا وحدة الوظيفة.
فالخصومة تحتاج إلى مسافة واضحة بين من يحكم ومن يطلب الحكم.
وكلما اتسعت هذه المسافة مؤسسيًا ووظيفيًا، ازدادت قوة الضمانات.
فالقضاء يجب أن يبدو مستقلاً عن النيابة العامة.
والنيابة العامة يجب أن تبدو مستقلة عن القضاء الجالس.
ليس لأن أحدهما خصم للآخر، بل لأن كلًا منهما يؤدي وظيفة مختلفة تمامًا.
حان الوقت لإنهاء فكرة (السلك الواحد):
ربما كان من المناسب في مرحلة تاريخية سابقة النظر إلى القضاة وأعضاء النيابة العامة باعتبارهم جزءًا من (سلك قضائي واحد).
لكن تطور العدالة الجنائية الحديثة يفرض إعادة النظر في هذا المفهوم.
فليس من المنطقي أن يُبنى القاضي طوال سنواته على الحياد، ثم يتحول فجأة إلى طرف في الملاحقة الجزائية.
وليس من المنطقي أن يبني المدعي العام مسيرته المهنية على التحقيق والادعاء، ثم يصبح فجأة قاضيًا يفصل بين الخصوم.
المشكلة ليست في قدرة الشخص على أداء الوظيفتين.
فقد يكون الشخص مؤهلاً قانونيًا وأخلاقيًا لذلك.
لكن المسألة أكبر من الأشخاص.
إنها مسألة (هوية مهنية ومؤسسية).
فالطبيب لا يتحول بين ليلة وضحاها إلى قاضٍ لمجرد أنه درس القانون.
والقاضي لا ينبغي أن يتحول إلى مدعٍ عام وكأن الوظيفتين وجهان للمهنة نفسها دون اختلاف جوهري.
إن العدالة الحديثة تحتاج إلى:
(قاضٍ يُصنع قاضيًا، ومدعٍ عام يُصنع مدعيًا عامًا).
لا إلى موظف قضائي ينتقل بين الحياد والخصومة وفق مقتضيات التشكيل الوظيفي.
الإصلاح المطلوب:
لقد أصبح من الضروري فتح نقاش وطني وقانوني جاد حول تنظيم النيابة العامة في الأردن.
والإصلاح يمكن أن يبدأ من عدة نقاط:
أولًا: (إنشاء مجلس مستقل للنيابة العامة) يتولى إدارة شؤون أعضاء النيابة العامة.
ثانيًا: الفصل بين المسار الوظيفي للقضاة والمسار الوظيفي للنيابة العامة.
ثالثًا: وضع ضوابط صارمة ومحددة للانتقال بين القضاء والنيابة العامة، بحيث لا يكون الانتقال هو الأصل.
رابعًا: (إعادة النظر في آلية تعيين رئيس النيابة العامة)، باعتباره رئيسًا لجهاز ادعائي مستقل لا مجرد منصب داخل السلم القضائي.
خامسًا: تعزيز استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية والسياسية.
سادسًا: بناء مفهوم مؤسسي جديد يقوم على أن:
القضاء يحكم باستقلال، والنيابة تدعي باستقلال، ولا يخضع أحدهما وظيفيًا للآخر.
السؤال الذي يجب أن نواجهه:
القوانين ليست نصوصًا مقدسة لا يجوز تطويرها.
وما كان مناسبًا قبل خمسين عامًا قد لا يكون بالضرورة مناسبًا اليوم.
ومن حقنا أن نسأل:
لماذا يعين المجلس القضائي رئيس النيابة العامة؟
ولماذا يعيّن الجهة التي تمثل الادعاء أمام القضاة الذين يشرف على شؤونهم؟
ولماذا يستطيع الشخص الانتقال بين القضاء والنيابة وكأن الفارق بين الوظيفتين مجرد فرق في المسمى؟
وهل نحن أمام استقلال حقيقي ومتكامل للنيابة العامة، أم أمام إدارة مشتركة لوظيفتين مختلفتين جوهريًا؟
هذه ليست أسئلة ضد القضاء.
بل هي أسئلة من أجل قضاء أقوى.
وليست أسئلة ضد النيابة العامة.
بل هي أسئلة من أجل نيابة عامة أكثر استقلالًا ووضوحًا وقوة.
إن أقوى ضمانة للعدالة ليست أن نثق بالأشخاص فقط، بل أن نبني نظامًا لا يحتاج إلى الثقة المطلقة بالأشخاص.
القاضي يجب أن يبقى قاضيًا.
والمدعي العام يجب أن يبقى مدعيًا عامًا.
ولا يجوز أن يتحول الحياد والخصومة إلى محطتين متبادلتين في سلم وظيفي واحد دون أن نتساءل عن أثر ذلك على فلسفة العدالة ذاتها.
فحين يكون (الحكم والخصم تحت مظلة واحدة)، يصبح من حقنا أن نسأل:
(هل نحن أمام استقلال مؤسسي مكتمل، أم أمام تقليد إداري قديم يحتاج إلى شجاعة تشريعية لإعادة النظر فيه؟)
التوصية:
لذلك، نأمل من الجهات التشريعية أن تتحمل مسؤوليتها الدستورية والتشريعية، وأن تفتح دون تأخير ملف التشريعات الناظمة للعمل القضائي وأعمال النيابة العامة، بهدف إعادة النظر في العلاقة المؤسسية بين القضاء الجالس والنيابة العامة، وبما يضمن الفصل الواضح بين وظيفة الحكم ووظيفة الادعاء، واستقلال المسار الوظيفي لكل منهما.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد تعديل شكلي لبعض النصوص، وإنما مراجعة حقيقية وجادة لفلسفة تنظيم منظومة العدالة، بما يعزز استقلال القضاء، ويحمي استقلال النيابة العامة، ويمنع اختلاط الأدوار والمسارات الوظيفية، ويرسخ ثقة المواطن بأن القاضي الذي يحكم والمدعي العام الذي يخاصم كلٌّ منهما يعمل في إطار مؤسسي مستقل وواضح.
لقد آن الأوان لمغادرة فكرة أن القضاء والنيابة العامة مجرد وظيفتين يمكن الانتقال بينهما بسهولة داخل السلم الوظيفي ذاته، فالاختلاف بينهما ليس اختلافًا في المسمى، بل اختلاف في الوظيفة والفلسفة والدور.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق المشرع في المبادرة إلى تطوير التشريعات، وفتح حوار قانوني ومؤسسي جاد حول إنشاء إطار مستقل لإدارة شؤون النيابة العامة، بما يحقق التوازن بين استقلال القضاء واستقلال الادعاء العام.
فالعدالة لا تُصان فقط بنزاهة من يعملون فيها، وإنما تُصان قبل ذلك ببناء مؤسسات واضحة الحدود، مستقلة الاختصاصات، لا تختلط فيها وظيفة الخصم بوظيفة الحكم، ولا يصبح الانتقال بينهما مجرد قرار إداري.
