
الحماة .. إما تكون أُماً رؤوماً .. او بوماً ناعِقاً
عوض ضيف الله الملاحمة
يواجه الشباب عقباتِ كأداء عديدة عند تفكيرهم في الزواج . وعادة لا يُقدِم الشاب على التفكير بالإرتباط والزواج إلا بعد ان تتوافر لديه القدرة المالية ، لمواجهة الإفراط والمبالغة في تكاليف الزواج ومتطلباته . بالإضافة الى توافر شروط أخرى كثيرة لسنا في معرض الحديث عنها .
ومما يُشغِل فِكر الشاب عند الإقدام على الزواج ، التفكير في ( حَمَاة ) المستقبل . فيُشغِّل الشاب لديه قدراته الإستخبارية ، وحاسة التنبؤ ، والتحليل ، والربط ، والإستنتاج ، وكلها تدور حول سؤالٍ واحد هو : يا ترى كيف ستكون حماتي ؟ وهل هي إنسانة طيبة ، بسيطة ، إيجابية ، مُحِبة ، صادقة ، معطاءه ، ودوده ، هادئة ، سخية في مشاعرها ؟ او انها ستكون : ثرثارة ، حِشرية ، عدوانية ، عصبية ، مُسيطرة ، نكدية ، حاقدة ، حسودة ، كذّابة ، خبيثة ، بخيلة في مشاعرها ؟
التفكير فيما ستكون عليه الحماة مهم جداً . لدرجة ان بعض الشباب يعزفون عن خِطبة فتاة ما ، إذا عرفوا شيئاً سلبياً عن أُمِّها . وهذا التفكير مبرر عندما نعرف ان الكثير من الأسر دمرتها الحموات وانتهت الى الطلاق ، وحتى إذا قُدِّرَ لها الإستمرار أحياناً ، تكون حياة الزوجين كئيبة وفي خِصام دائم ، خاصة اذا كانت الزوجة تسيطر عليها أمها ، وأمها لم تمنحها الإستقلال في شخصيتها ، او انها هي لم تسعَ لذلك ، وذلك ينطبق على الزوج أيضاً .
كثير من الأُسر ، التي يُفترض ان تكون سعيدة ، هانئة في حياة زوجية طابعها التوافق والإنسجام ، تحولت حياتها الى جحيم لا يُطاق بسبب تدخل الحموات ، وسيطرتهن على شؤون الأسرة . ونتيجة شيوع وإنتشار هذا النوع من الحموات ، ترسخ لدى المجتمع بعامته ، قناعة بأن الحموات سبب دمار البيوت وخرابها .
أرى انه من الضروري ان أوضح أنني أقصد بالحماة (( أُم الزوج ، وأُم الزوجة )) . راجياً ان لا يغيب ذلك عن ذِهن القراء الكرام ، حتى وإن كانت بداية المقال تشير الى أم الزوجة .
فكثيراً ما كانت زوجة الإبن رائعة ، وطيبة ، وخلوقة ، وقادرة على تنشئة أسرة جميلة ترفد الوطن بأبناء أكفاء صالحين ، لكن سوء طِباع الحماة ( أم الزوج ) دُمِّرت الأُسرة ، وتشتت ، وتحولت حياتها الى جحيمٍ لا يُطاق .
أنا أعتبر ان سوء طِباع الحماة عموماً (( أم الزوجة ، وأم الزوج )) ، هو إبتلاء عظيم ، وخطر داهم يهدد كيان الأسرة ، ويقودها الى الدمار .
لكن هنا تظهر قدرات الزوج إذا كانت ( حماته ) متغطرسة وسيئة الطباع ، كما تظهر قدرات الزوجة إذا كانت ( حماتها ) مسيطرة وشنيعة .
هنا لابد من ان يقوم الزوج ، او تقوم الزوجة ، بسلخ ، نعم سلخ عائلتهما ، والإبتعاد بها عن الحماة ، والإستقلال التام عن حبائلها وبيئتها ، والإبتعاد عن الحماة حتى تتثبت العائلة من إستقلالها وإستقرارها . وان يكون التعامل مع الحماة في الحدود الدنيا ، وان يكون طابع العلاقة رسمياً جداً . والأهم ان ينأى الزوج او الزوجة بنفسه عن تبعيته وخضوعه وسيطرة الحماة عليهما .
فإذا كانت الحماة المتغطرسة ( أم الزوج ) ، ليس أمام الزوج الا الإستقلال بشخصيته عن أمه تماماً ، وان يضع حداً واضحاً وصلباً لإمتداد نفوذ أمه لأسرته ، وان يحصر تعامل أمه معه ، وان يكون باراً بها ، رغم شنيع أفعالها .
وإذا كانت الحماة المتغطرسة ( أم الزوجة ) ، فعلى الزوج ان ينأى بنفسه وبزوجته وعائلته عن حماته ، وان ينمي لدى زوجته شخصية بعيدة عن تبعية وسيطرة أمها . وان يحصر التعامل مع حماته بزوجته كونها إبنتها ، وفي حدود مسيطر عليها ، ليضمن عدم إستمرار تأثير والدتها عليها .
عندما تتشكل عائلة جديدة ، انا أشبهها كما فرعٍ من شجرة تم إستئصاله ليتم إستنباته لتكوين شجرة أخرى جديدة . وهذه الشجرة الجديدة ستنمو في مكان مختلف ، وتربة مختلفة ، وبيئة مختلفة ، وظروف مختلفة .
الكثير من الحموات كُنّا سبباً في الكثير من الكوارث المجتمعية . الكثير منهن دمّرن أسراً متحابة ، متفاهمة ، متوادة ، وكنا سبباً في الفراق بطلاق مقيت ، بغيض ، هو أبغض الحلال عند ربّ العباد سبحانه وتعالى .
وهناك حموات يتصفن ببعض الصفات الإيجابية الطيبة ، لكن لا تخلو شخصياتهن من بعض الطباع السيئة ، وهنا على الزوجين ان يتجاوزا الطبع السيء ، ويعزفان على أوتار الطباع الطيبة ويضمنان مسيرة ناجحة لأسرة ناشئة ، بذكائهما وحكمتهما .
لكن هناك حموات طيبات ، محترمات ، مستورات ، يساعدن ، ويكون لهن دوراً رئيسياً مهماً ، وبارزاً في نشوء أسرة جديدة ، سعيدة ، تكون لبِنة صالحة ، ومُنتجة في المجتمع ، رغم محدودية عددهن .
وحتى لا يتخيل بعض القراء الكرام انني أتحدث عن نفسي . فأنا شخصياً ، لم أتردد مُطلقاً عند زواجي ، لأنني واثق تماماً من قدرتي على فرض شخصيتي وقراري المستقل في أي ظرفٍ أكون فيه ، والحمد لله أنني لم أعانِ من ذلك مطلقاً لسببين : أولهما : نُضج شخصية زوجتي وطيبتها ، وتطابق قيمها مع قيمي ، وإستقلاليتها ، وإنتمائها لي وحدي . وثانياً : تعامل حماتي الممتاز ، والمتميز معي طيلة ( ٤٠ ) عاماً . ومن جانب عائلتي ، لم أعانِ مُطلقاً ، لطيبة والدتيَّ الإثنتين المُتفردتين ، وقناعة والدي الصلبة بعدم التدخل في شؤون عائلات أولاده وبناته . لأننا ان وإخواني وأخواتي نشأنا في بيت مستقر تماماً ، لا سيطرة فيه للمرأة مطلقاً ، رغم ان والدي رحمة الله عليه ، كان متزوجاً من إثنتين ، حيث كانتا كما الأُختين . وقد كنت أَميل في تعاملي الى أُمي ( زوجة أبي ) أكثر من أمي التي أنجبتني . كما كان يميل إخواني من أبي الى أمي ( زوجة أبيهم ) أكثر من أمهم التي أنجبتهم . لدرجة ان أخويّ من أبي قاما بتعزيتي عندما توفيت أمهم ( زوجة أبي ) ، واعتبروني يتيم الأم ، وانا عزيتهما عندما توفيت أمي ( زوجة أبيهم ) وأعتبرتهما يتيمي الأم ، مع ان المتوفاة هي أمي ( زوجة أبيهم ) .
البيت الذي تكون فيه الزوجة مُسيطرة ، تكتنفه إختلالات كبيرة وكثيرة في شخصيات الأبناء والبنات . في هكذا بيت — على الأغلب — ينتقل الأبناء ( الذكور ) تحديداً من سيطرة الأم الى سيطرة الزوجة في المستقبل .
عموماً ، الحماة ، إما تكون أُماً رؤوماً للزوج والزوجة ، او شيطاناً رجيماً ، او تكون بوماً ناعقاً ، ينعق على خراب . ما أروع الحماة عندما تتميز بالطيبة ، والرقي ، ولا تحشر أنفها في شؤون عائلة إبنها او إبنتها ، وتكون معول بناء للأُسر الناشئة ، لا معول هدم .
اللهم ضعّْ في طريق شبابنا وشاباتنا الكثير الكثير من النوع الأول (( الحماة الرؤوم )) ، وأبعد عن شبابنا وشاباتنا النوع الثاني (( الحماة البوم )) الناعقة ، وقلل عددهن ، حَدَّ الأُفول ، ياااارب .
