منبر الكلمة

إلى الصديق فيصل قاسم الهياجنة..المخبوء من الحزن، أكبر من الضحك المعلن..

ثقافة ..قصة قصيرة
———————-
إلى الصديق فيصل قاسم الهياجنة..المخبوء من الحزن، أكبر من الضحك المعلن..

ظلّ عبدالله في الدير…

عدنان نصّار

لم يكن الصباح في الدير يشبه الصباحات التي عرفها الأب قبل ذلك اليوم. الضوء نفسه كان يتسلّل من بين أغصان الزيتون، والندى ذاته يلمع على أوراق اللوز، غير أنّ البيت الواسع بدا كأنه تمدّد فجأة؛ اتّسعت غرفه حتى صارت فراغاتٍ لا تُحتمل. منذ أن غاب عبدالله، صار الصمت أثقل من الأثاث، وأطول من الممرّات.
عبدالله، الابن الشاب الذي خرج من البيت ضاحكًا ذات مساء ولم يعد. لم يترك وراءه وصيّة، ولا خلافًا، ولا مرضًا يُمهّد للفقد. سقط الخبر على الأب كما تسقط شجرة معمّرة في ليلة عاصفة؛ صوتٌ واحد، ثم فراغ. منذ تلك اللحظة، صار الأب يتعلّم لغة جديدة، لغة العيش مع غيابٍ لا سبب له.
كان البيت، المبنيّ على حافة الأرض المشجّرة، يطلّ على سفحٍ أخضر يتدرّج نحو الوادي. في الماضي، كان الأب يرى في هذا الاتّساع نعمةً وطمأنينة. اليوم، صار الاتّساع امتحانًا. كل غرفةٍ تستدعي ذكرى؛ هنا كان عبدالله يضع كتبه، وهناك كان يعلّق قميصه على مسمارٍ نسي أن ينزعه. في المطبخ، ظلّ كوبٌ مقلوب منذ أيام، لم يجرؤ الأب على إعادته إلى الخزانة، كأنّ ترتيب الأشياء خيانةٌ صغيرة للذاكرة.
الأرض المشجّرة، التي طالما أحبّها عبدالله، صارت مسرحًا لطقوس الأب اليومية. يخرج مع الفجر، يمرّ بين أشجار الزيتون كما لو كان يعبر بين شهودٍ صامتين. يلمس الجذوع براحته، يهمس بأسماءٍ لا يسمعها أحد. كان عبدالله يقول إن الأشجار تفهم أكثر ممّا نظن، وإنّها تحفظ أسرارنا في حلقاتها. الآن، صار الأب يصدّق ذلك، لا لأنّ لديه دليلًا، بل لأنّ الحاجة إلى التصديق صارت أقوى من الشك.
في الدير، القرية الوادعة، يعرف الناس بعضهم بعضًا بقدر ما يعرفون الطرقات. جاءه المعزّون، قالوا كلماتٍ متشابهة، تركوا القهوة مُرّة كما ينبغي، ثم انصرفوا. بقي الأب وحده مع البيت والأرض. لم يكن يلوم أحدًا؛ كان يدرك أنّ اللغة تخوننا أمام الفقد، وأنّ النوايا الحسنة لا تردّ الغائبين.
كان عبدالله يحبّ السير في الحقول بعد المطر. كان يقول إنّ الأرض حين تبتلّ تُصبح صادقة. في مساءٍ ثقيل، بعد أسابيع من الغياب، هطل المطر فجأة. خرج الأب دون معطف، ترك الباب مواربًا خلفه. سار حيث كان عبدالله يسير، تعثّر في موضعٍ يعرفه، وضحك ضحكة قصيرة، ثم توقّف. أدرك أنّه يضحك وحده، وأدرك أنّ الضحك نفسه صار ذاكرة.
لم يكن الفقد حدثًا واحدًا؛ كان يتكرّر كل يوم. يتكرّر حين يضع الأب طبقين على الطاولة ثم يتذكّر، حين ينادي الاسم فيردّ الصدى، حين يفتح النافذة فيرى الطريق خالية. حتى النوم صار مساحة مواجهة؛ أحلامٌ لا تكتمل، وصحواتٌ مباغتة، وصدرٌ يضيق دون سببٍ واضح.
في أحد الأيام، قرّر الأب أن يُصلح السور الحجري القديم عند طرف الأرض. كان عبدالله قد وعده بأن يساعده في الربيع. حمل الأب الحجارة وحده، رصّها ببطء، وترك فراغاتٍ صغيرة بين الحجر والحجر. وحين سأله أحد الجيران عن ذلك، قال بهدوء: «هكذا يتنفّس السور». لم يقل إنّه يترك للذاكرة منافذ كي تمرّ، كي لا تختنق.
مع الوقت، تعلّم الأب أنّ الحزن لا يختفي، بل يبدّل شكله. صار كظلٍّ يرافقه، يطول ويقصر حسب الضوء. في الصباح يكون خفيفًا، وفي المساء يثقل. لكنّه ظلّ، لا جدار. ظلّ يمكن السير معه.
في موسم القطاف، حضر العمّال كما في كل عام. امتلأت السلال، وعادت الأغاني الخافتة. وقف الأب تحت شجرةٍ كان عبدالله يفضّلها، رفع نظره إلى الأغصان، وشعر بشيءٍ يشبه الرضا. ليس لأنّ الألم انتهى، بل لأنّ الحياة، بعنادها، وجدت طريقها بين الأصابع.
في تلك الليلة، جلس الأب على عتبة البيت، نظر إلى النجوم فوق الدير، وقال بصوتٍ منخفض:
«يا عبدالله، البيت واسع، نعم، لكنّه يتّسع لك أيضًا».
لم ينتظر جوابًا. كان يعرف أنّ الإجابة ليست صوتًا، بل قدرةً جديدة على الاستمرار.
ظلّ البيت واسعًا، وظلّت الأرض مشجّرة، وظلّت القرية وادعة. أمّا الأب، فصار يعرف أنّ الفقد لا يُقاس بما نأخذه معنا، بل بما نتعلّم كيف نتركه يعيش فينا دون أن يُغلق علينا الأبواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى