تكنولوجيا

الجلد الإلكتروني .. مستشعرات تحاكي اللمس والإحساس بالحرارة

آفاق نيوز – تخيّل يدًا روبوتية تلتقط فنجانًا ساخنًا، فتدرك ارتفاع حرارته وتضبط قوة قبضتها في اللحظة المناسبة، أو طرفًا صناعيًّا يستطيع استشعار ضغط الأصابع على جسم هش، بما يساعد مستخدمه على التعامل معه بحذر.

لم تعد هذه التصورات مجرد أفكار مستقبلية، بل أصبحت جزءًا من الأبحاث التي تسعى إلى تطوير الجلد الإلكتروني، وهي تقنية تحاكي بعض قدرات الجلد البشري في استشعار اللمس والضغط والتغيرات الحرارية.

ويعمل الباحثون على تطوير مواد مرنة مزودة بمستشعرات دقيقة تحول المؤثرات الفيزيائية إلى إشارات كهربائية قابلة للقياس والتحليل، في خطوة قد تعيد تشكيل مستقبل الروبوتات والأطراف الصناعية والتطبيقات الطبية.

كيف يعمل؟
يعتمد الجلد الإلكتروني، المعروف علميًا باسم Electronic Skin، على دمج مستشعرات متعددة داخل طبقات رقيقة ومرنة يمكن تثبيتها على الأسطح أو دمجها في الأجهزة الذكية.

وتتمثل إحدى وظائفه الأساسية في استشعار اللمس، إذ تستطيع بعض المستشعرات قياس الضغط الناتج عن ملامسة جسم ما، وتحديد شدته وموقعه، فيما يمكن لتصميمات أخرى التقاط الاهتزازات والتغيرات الميكانيكية الدقيقة.

أما الإحساس بالحرارة، فيعتمد على مستشعرات حرارية تقيس درجة الحرارة أو التغيرات التي تطرأ عليها.

وتُرسل هذه البيانات إلى وحدات إلكترونية تعالجها، وقد تستعين بخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتفسيرها وتحديد الاستجابة المناسبة.

ويتمثل التحدي العلمي في جمع هذه الوظائف ضمن منظومة واحدة، بحيث تستطيع التمييز بين الضغط والحرارة دون أن تتداخل القراءات، وهو أمر ضروري لتوفير إحساس أكثر دقة وموثوقية.

تطورات علمية
في دراسة نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، عرض باحثون نظامًا للجلد الإلكتروني متعدد المستشعرات، يهدف إلى فصل قياسات الضغط عن قياسات الحرارة، بما يعزز القدرة على التمييز بين الأجسام المتشابهة ظاهريًا والمختلفة في خصائصها.

ويعكس هذا الاتجاه تحولًا في أبحاث الجلد الإلكتروني، من تطوير مستشعرات منفردة إلى تصميم أنظمة متكاملة تستطيع جمع أنواع متعددة من المعلومات الحسية ومعالجتها في الوقت نفسه.

ومع ذلك، لا تزال هذه التقنيات متفاوتة في مستوى نضجها، ولا يعني نجاح نموذج بحثي أن الجلد الإلكتروني أصبح قادرًا على محاكاة جميع وظائف الجلد البشري.

الأطراف الصناعية والروبوتات
تُعد الأطراف الصناعية الذكية من أبرز المجالات المرشحة للاستفادة من هذه التقنية، إذ يمكن للمستشعرات أن توفر معلومات عن قوة القبضة والتلامس ودرجة الحرارة، بما يساعد على تحسين التحكم في الطرف الصناعي، إذا اقترنت بنظام مناسب لنقل التغذية الراجعة الحسية إلى المستخدم.

وفي مجال الروبوتات، قد يتيح الجلد الإلكتروني التعامل بحذر أكبر مع الأجسام الهشة، وتحسين التفاعل مع البيئة المحيطة، خصوصًا في المهام التي تتطلب دقة عالية.

كما يمكن توظيف بعض تصميماته في الأجهزة الطبية القابلة للارتداء، لمراقبة الضغط والتلامس ودرجات الحرارة، وفقًا لطبيعة المستشعرات والتطبيق المستهدف.

محاكاة الجلد البشري
رغم التقدم المحقق، يواجه تطوير الجلد الإلكتروني تحديات تتعلق بمتانة المواد، والحفاظ على دقة القياس عند الانحناء والتمدد، وتقليل استهلاك الطاقة، وتسريع معالجة البيانات.

وتبرز أيضًا الحاجة إلى تطوير وسائل فعالة لتحويل الإشارات الإلكترونية إلى إحساس مفهوم للمستخدم، خاصة في الأطراف الصناعية، فضلًا عن ضمان سلامة الأجهزة وموثوقيتها عند الاستخدام طويل الأمد.

مستقبل الإحساس الصناعي
يفتح الجلد الإلكتروني آفاقًا جديدة أمام التقنيات التي تتفاعل مع الإنسان والبيئة، لكنه لا يزال مجالًا بحثيًا متطورًا يحتاج إلى مزيد من الاختبارات والتحسينات.

ومع استمرار التقدم في علوم المواد والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، قد تصبح الأنظمة الاصطناعية أكثر قدرة على استشعار محيطها والاستجابة له، لتقترب خطوة إضافية من محاكاة بعض جوانب الإحساس البشري.

زر الذهاب إلى الأعلى