الجامعات… استنساخ التخصّصات برسومٍ جديدة… من يحمي المواطن؟!

د. مفضي المومني
2026/2/17
بدايةً… الجامعاتُ مَدينةٌ، والأسبابُ تتراوح بين إداريةٍ وفنية، وفسادٍ إداريٍّ وماليٍّ أحيانًا أخرى، وسوءِ تخطيطٍ، وبعضِ التشريعات… وغيرها. ولم يكن الطلبةُ والأهالي يومًا سببًا في هذه المديونية؛ فالعقدُ بين الطالب والجامعة عقدٌ إذعانيّ، والدفعُ مُقدَّمًا تحت طائلةِ منعِ أو إلغاءِ التسجيل…!
وليس ذنبُ الطالب أنّه حصل على مكرمةٍ أو إعفاءٍ حسب القانون أو غيره، كما أنّ الجهاتِ الحكوميةَ المُبتعثة لا تدفع للجامعات، أو تدفعُ بالقطّارة… والحكومةُ تعرفُ كلَّ شيء، وقد بادر رئيسُها قبل أيامٍ بالإعلان عن التعهّد بتغطية 100 مليون دينارٍ من مديونية الجامعات…!
المطلوبُ من الإداراتِ الجامعية، والرؤساء، ومجالسِ الأمناء، المساهمةُ في تصفير مديونيات جامعاتهم بطرقٍ مختلفة، من الاستثمار إلى الحصول على المشاريع والمنح والتبرعات والاختراعات والاستشارات، والخروج من مفهوم الإدارات التقليدية التي تهتمّ وتتشبّث بكرسيّ السلطة، وتحسب بقاءها بالأيام، وتُرحّل المشاكلَ والمديونيات، لتخرج بإضافةٍ إلى السيرة الذاتية…! وقد سعدنا بإعلان الجامعة الأردنية تصفيرَ مديونيتها قبل أيام.
أمّا الموضوعُ المؤرِّق، والذي انتهجته بعضُ — أو معظم — الإدارات الجامعية منذ سنوات، في ظلّ عدم قدرتها على رفع تسعيرة الساعة المعتمدة للتخصصات القديمة، فهو اللجوءُ إلى حيلة إعادة تسمية التخصصات القديمة وطرحها كأنها جديدة بتسعيرةٍ مرتفعة… وإلغاءُ التخصصات القديمة…! بمعنى آخر: إعادةُ استنساخٍ وفذلكةٌ في التسميات… مرّة «تطبيقي»، ومرّة «تكنولوجي»… مثال: لغةٌ عربيةٌ تطبيقية بدل لغةٍ عربية، وإنجليزيٌّ تطبيقي بدل إنجليزي… وحدث ولا حرج…!
والتخصصُ ذاته، مع تغييراتٍ لزوم تبرير التغيير لا موضوعيّته… والمدرّسون أنفسهم… والغرفة الصفية ذاتها…! والهدفُ الرئيس زيادةُ دخل الجامعة بدعوى تخصصاتٍ جديدةٍ «مستنسخة»…! مع أنّ بابَ التعديل على الخطط مفتوحٌ للأقسام، وهو أسهل من استحداثها أو إعادة استنساخها… والطالبُ والأهالي يدفعون الثمن… فالتخصص جديد، والساعةُ بـ 90 دينارًا… وكانت بـ 30 دينارًا… كمثال.
وهنا أشير إلى أنّ التطوير واستحداث التخصصات بناءً على التطورات التكنولوجية ومتطلبات سوق العمل أمرٌ طبيعيٌّ ومستحبّ، بل وأساسُ عمل الجامعات… ولكن دون استغلال الفكرة لاستنساخ التخصصات القديمة وطرحها بسعرٍ أعلى، بل مبالغٍ فيه… ونحن نعرف وضع المواطن الأردني المثقل بالعوز والحاجة، وقلةِ ذات اليد، المقرون بثقافةٍ وشغفٍ لتدريس الأبناء، حتى لو باع الأرضَ والبيتَ وآخرَ ما يملك…! لتأتي الجامعات وتتذاكى عليه، وتحمّله فوق حمله، بحجة التجديد والتطوير المصطنع…!
وكما سمعنا وزارة التعليم العالي أو الوزير يقول للجامعات: ألغوا تخصصاتٍ وسأسمح لكم بفتح تخصصاتٍ بعددها… فهل تبارك الوزارة إعادةَ الاستنساخ للتخصصات برسومٍ عالية، على حساب الطالب وأهله…؟!
الجامعاتُ يجب أن تخرج من برجها العاجي، ومن الانعزال عن واقع الناس وهمومهم، واستغلال حاجتهم لتدريس أبنائهم…! وممارسة دور التاجر الجشع عليهم…! وأن تبادر إلى تخفيض أسعار الساعات المبالغ فيها أصلًا… بل وأن تتذكّر أنّ التعليم الجامعي ليس تجارة، بل حقٌّ للناس، ويجب أن يكون مجانيًّا، وتتبنّاه الحكومات كما تتبنى الصحةَ والدفاع… لأنه أساسُ رفعة الأوطان، واستثمارٌ في الأجيال.
دعوةٌ لوزارة التعليم العالي لمراجعة استحداث واستنساخ وإلغاء التخصصات… وعدم فتح الباب على الغارب… فالمواطن والطالب ليسا السبب في مديونية الجامعات…! تجاربُ النجاح للجامعات موجودة عالميًّا ومحليًّا… وليس منها التذاكي واستغلال المواطن المتعب أصلًا…
حمى الله الأردن.



