منبر الكلمة

التعليم في السويداء: تهديد المحافظة “الخالية من الأمّيّة”!

ما يحدث في السويداء يضرب عمود المجتمع: التعليم. ومع غياب خطّة إنقاذ واضحة وبيئة آمنة للانتقال والتحصيل، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما يجري نتيجة انفلات أمني فقط، أم أنه يدخل ضمن نهج أوسع لعقاب جماعي،

عمر الهادي، طالب هندسة معمارية من السويداء لكنّه يدرس في جامعة دمشق. شارف على إنهاء دراسته وتقديم مشروع تخرّجه، لكنّ مجزرة تمّوز/ يوليو الماضي في السويداء، والحصار الذي تلاها، قطعا الصلة بينه وبين جامعته، فبقي في قريته، لا يستطيع الذهاب إلى الجامعة.

 يقول: “نحن اليوم عالقون في القرى على خطوط تماس، فيما يتابع زملاؤنا حياتهم الأكاديمية. هذا يُعيدني إلى صيف 2018، حين توقّف تعليمنا بالكامل بعد هجوم “داعش” على قرية الشبكي القريبة من حيث أعيش. ما نعيشه اليوم لا يختلف كثيراً، بل هو أوسع وأقسى”.

لا تقتصر المخاطر التي يواجهها عمر على العنف والحصار، فالطريق إلى دمشق، كما يروي، صار رحلة محفوفة بالمخاطر أيضاً: “بعد أحداث جرمانا وصحنايا وصولاً إلى مجزرة السويداء، صار النزول إلى دمشق مخاطرة. الطرق مقطوعة، والحواجز تدقّق في الأغراض والهواتف والمحادثات، وحوادث الخطف والاعتداء تتكرّر. منذ أيّام اختُطف أربعة شبّان على حاجز أمني قرب قصر المؤتمرات عند مدخل دمشق. بعض الزملاء يغامرون بالنزول مع فرق الهلال الأحمر لإتمام دراستهم، لكن لا أحد يضمن سلامتهم”.

عمر واحد من عدد كبير من الطلّاب الذين تعثّرت عودتهم الى جامعاتهم ومدارسهم، وهم يعيشون تداعيات العنف الدامي الذي مرّت به السويداء، وانتهى بحصار المحافظة اقتصاديا وإدارياً، المفارقة اشتدّت مع نشر صور احتفالات التخرّج في الشمال السوري، حيث تمكّن الطلّاب هناك من استكمال دراستهم، واللافت كان ظهور الرئيس السوري أحمد الشرع إلى جانب زوجته لطيفة الدروبي في حفل تخرّج دفعة “النصر والتحرير”، في كليّة الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة إدلب. 

“السويداء خالية من الأمّيّة”

في عام 2008 أُدرجت السويداء  ضمن المحافظات “الخالية من الأمّيّة”. اليوم، تبدو الصورة معكوسة: مدارس مغلقة، امتحانات متوقّفة أو معلّقة، آلاف الطلّاب نازحون أو بلا قدرة على الوصول إلى خدمات تعليمية أساسية، فيما تلاشت أي خطّة واضحة من وزارة التربية لجهة مصير العام الدراسي في المحافظة.

حتى الشعارات التعليمية دخلت بازار التصعيد. فقد أعاد ناشطون تداول مقطع لعناصر أمنيين يتوعّدون الأهالي بعد قراءة لافتة قديمة كُتب عليها “السويداء بلا أمّيّة”، ففسّروها بمعنى “بلا أمويّة”، في انزلاق طائفي يُحمّل شعاراً تعليمياً دلالات سياسية/ مذهبية لا صلة لها بمقصده الأصلي. بالنسبة إلى كثيرين، كانت تلك الحادثة علامة إضافية على تدهور العلاقة بين السلطة المركزية والمجتمع المحلّي… حتى في أبسط الحقوق: التعليم.

شهادات طلاب: تعليم معلّق وملاحقات خارج المحافظة

نور العنداري، تلميذ بكالوريا من السويداء، يصف كيف تدهورت سنته الدراسية: “بعد أن قدّمنا أوّل مادّة فقط، توقّفت الامتحانات فجأة. شعرنا كأن حياتنا توقّفت، كأن الحلم الذي سعينا خلفه منذ طفولتنا سُرق منّا في لحظة. شعرنا بالظلم والحسرة، وكأننا لم نأخذ فرحتنا العادلة كباقي المحافظات”، مشيراً إلى أن أكثر ما يحزنه هو أن “طلّاب باقي المحافظات جلسوا في مقاعدهم الدراسية آمنين مطمئنين، بينما نحن جلسنا في ظلّ الرصاص والنار. لقد حُرمنا حقّنا الطبيعي في التعليم العادل والأمان. ومع ذلك، التخلّي عن الدراسة ليس خياراً لنا، لأننا نؤمن أن العلم كالكرامة؛ لا يمكن أن نعيش من دونه. ما يوجعنا أكثر من أيّ شيء آخر، أن سنوات طويلة من الجهد والسهر سُرقت في لحظة ملأها أزيز الرصاص وانفجار القذائف”.

لا تقف الأزمة عند حدود السويداء. جواد شلغين، طالب في معهد “التعويضات السنية” في اللاذقية، يقول إن خلافاً مع مُدرّسة على خلفيّة منشورات طائفية انتهى بفصله وتلقّيه تهديدات بالإخفاء القسري: “لم يكن الأمر فردياً. طالت التهديدات أصدقاء آخرين من السويداء، فتركوا تعليمهم وعادوا خوفاً من التصعيد”.

ويروي طلّاب آخرون أن زميلاً لهم من أبناء السويداء، اعتُقل داخل سكنه الجامعي في اللاذقية على خلفيّة منشور حول أحداث المحافظة، وتعرّض للتعذيب والإهانة، وأُجبر على التوقيع على 13 تهمة سياسية قبل الإفراج عنه بعد تدخّل جهة دولية، وفق شهاداتهم.


أغيد بو فاعور، طالب صيدلة في جامعة الشام الخاصّة، يقول إن منشوراً تضامنياً مع السويداء اعتبرته إدارة الجامعة “طائفياً”، ما أدّى إلى فصله.

هذه الشهادات تعكس نمطاً من التضييق يلاحق طلّاب السويداء خارج محافظتهم أيضاً، ويُضيف طبقة جديدة من الخطر فوق صعوبة الوصول والتنقّل.

قرارات متناقضة… ومدارس تُقفل

منذ 30 نيسان/ أبريل، تتابعت قرارات متقطّعة ومتناقضة عطّلت العمليّة التعليمية. طلّاب الصفين العاشر والحادي عشر لم يتمكّنوا من تقديم امتحاناتهم، وطلّاب البكالوريا قدّموا مادّة واحدة فقط في 12 تمّوز/ يوليو، قبل انفجار الأحداث في اليوم التالي. 

تقول مُدرّسة كيمياء (فضّلت عدم ذكر اسمها) إن ما جرى “لم يكن مصادفة، بل استهداف مباشر للمسار التعليمي ونشر للأمّيّة”، وتضيف متوقّفة عند إقفال مدرسة “سرايا”، التي تصفها بأنها من أهمّ مدارس المحافظة: “حين تُغلق مدرسة ذات نتائج استثنائية وكادر متميّز، فالرسالة ضرب التعليم في جذره”.

في مواجهة هذا الفراغ نشأت مبادرات تطوّعية داخل مراكز الإيواء: مُعلّمات شابّات يدرّسن الأطفال مبادئ القراءة والكتابة، ويدعمن طلّاب البكالوريا بجلسات مجّانية. لكن، كما تقول المُدرّسة: “هذه الجهود لا تعوّض المدرسة. في أحسن الأحوال تمنح الطالب 20% ممّا يحتاجه. التعليم يحتاج صفوفاً منظّمة، التزاماً يومياً ومتابعة مستمرّة”.

الوعود الرسمية تبقى متقلّبة، يُشاع أن اليونيسف ستشرف على امتحانات البكالوريا، لكن لا خطّة معلنة: “كلّ أسبوع يقولون لنا إن الامتحان قريب… ثم يتراجعون. الطلّاب يعيشون في ضباب من الوعود المتناقضة”، تقول المدرّسة.

قوائم نجاح تتحوّل إلى نعوات

تجاوزت المأساة حدود تعطيل الدراسة. مع صدور نتائج الشهادة المتوسّطة، برز اسم الطالبة تالا حسام الشوفي (14 عاماً) بين الأوائل على مستوى سوريا، بمجموع 3090/3100، لكنّ تالا كانت قد قُتلت في إحدى مجازر تمّوز/ يوليو الماضي. كذلك أُعلن تفوق أنس أمجد شهيّب (2696/3100) قبل أن يُقتل مع أفراد من عائلته على طريق الثعلة، فيما استُشهد معين مروان الحلبي مع أسرته أثناء النزوح. في السويداء، باتت شهادات التفوّق وثائق فاجعة تعلن غياب أصحابها بدلاً من أن تفتح لهم أبواب المستقبل.

لا يقتصر الاستهداف على الإغلاق والتعطيل. تقرير لمنظّمة العفو الدولية (2 أيلول/ سبتمبر) وثّق إعدامات خارج نطاق القضاء، نفّذتها قوّات حكومية ومجموعات تابعة لها، بحقّ 46 رجلاً وامرأة من أبناء الطائفة الدرزية في 15 و16 تمّوز/ يوليو الماضي. خطورة تلك الجرائم أنها وقعت في أماكن يُفترض أن تكون ملاذات مدنية: ساحات عامّة، منازل، مدرسة رسمية، والمستشفى الوطني. 

إحدى الشهادات التي جمعتها المنظّمة، تُفيد بإعدام رجل داخل مدرسة بعد استجوابه عن طائفته. تقول ديانا سمعان، الباحثة في شؤون سوريا لدى العفو الدولية: “عندما تُقتل شخصيّات مدنية في المدارس والمستشفيات، فهذه عمليّات إعدام خارج نطاق القضاء، ترقى إلى جرائم بموجب القانون الدولي”.

أمن منفلت أم عقاب جماعي؟

بين قصّة عمر الهادي والطلّاب العالقين، وبين مدارس تُقفل ومناهج تُعلّق ونتائج تُعلن لضحايا راحلين، تتبدّى صورة أعمق من “تعطيل مؤقّت” بسبب ظرف أمني. ما يحدث في السويداء يضرب عمود المجتمع: التعليم. ومع غياب خطّة إنقاذ واضحة وبيئة آمنة للانتقال والتحصيل، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما يجري نتيجة انفلات أمني فقط، أم أنه يدخل ضمن نهج أوسع لعقاب جماعي.

مهما تكن الإجابة، فإن الكلفة صارت ملموسة: جيل تُسرق منه فرصه في الجامعات وسوق العمل والحياة العامّة. وفيما تتبدّل العناوين السياسية والعسكرية، يبقى الحقّ في التعليم —في الصفّ الآمن والامتحان المُتاح والجامعة المفتوحة— أبسط شرط للعدالة، وأوّل الطريق إلى الخروج من الكارثة.

كيندا زيتوني – صحافية لبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى