
التربية الوطنية إلى أين؟
بقلم الأستاذ الدكتور قاسم البري
تُعَدّ التربية الوطنية من أهم المباحث التي تسهم في بناء شخصية المواطن، وتعزيز انتمائه لوطنه، وترسيخ قيم الولاء والاعتزاز بالهوية الوطنية الأردنية. فهي ليست مجرد مادة دراسية تُقدَّم للطلبة من أجل النجاح في الامتحانات، بل هي رسالة تربوية ووطنية تهدف إلى إعداد أجيال واعية بتاريخ وطنها، مدركة لتضحيات أبنائه، ومؤمنة بمؤسساته وثوابته الوطنية. ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل أصحاب القرار والمسؤولين عن التعليم العالي: التربية الوطنية إلى أين؟ وما مستقبل هذا المبحث في جامعاتنا الأردنية في ظل التوجه نحو التعليم الإلكتروني، وما قد يترتب عليه من تراجع الحوار المباشر والمناقشة الهادفة بين الطلبة وأعضاء هيئة التدريس؟ إن تدريس التربية الوطنية والعلوم العسكرية وجاهياً في الجامعات ليس إجراءً شكلياً، بل ضرورة تربوية ووطنية تفرضها طبيعة هاتين المادتين وأهدافهما. فالقيم الوطنية لا تُغرس في النفوس بمجرد عرض المعلومات على الشاشات، ولا تتحقق من خلال الحفظ والتلقين فقط، وإنما تحتاج إلى الحوار والمناقشة، وإلى تبادل الآراء، ومعالجة القضايا الوطنية التي تمس حاضر الأردن ومستقبله. إن القاعة الدراسية تمثل فضاءً حقيقياً للحوار، يستطيع فيه الأستاذ أن يفتح أمام الطلبة آفاق التفكير، ويناقش معهم تاريخ الأردن، وتضحيات جيشه العربي، ومواقف قيادته الهاشمية، ودور مؤسساته الوطنية في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره. كما تتيح المناقشة المباشرة للطلبة فرصة التعبير عن آرائهم، وطرح تساؤلاتهم، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز روح المسؤولية والانتماء لديهم. أما الاكتفاء بالتعليم الإلكتروني في تدريس هاتين المادتين، فقد يؤدي إلى اختزال أهدافهما في معلومات تُحفظ مؤقتاً من أجل الامتحان، بدلاً من أن تتحول إلى قيم وسلوكيات راسخة في وجدان الطلبة وعقولهم. وعليه فإننا نوجّه نداءً إلى أصحاب القرار والمشرفين على المناهج في مؤسسات التعليم العالي، لإعادة النظر في آلية تدريس التربية الوطنية والعلوم العسكرية، والعودة إلى التدريس الوجاهي الذي يتيح الحوار والنقاش والتفاعل المباشر، ويمنح هاتين المادتين المكانة التي تستحقانها في بناء الإنسان الأردني الواعي المنتمي لوطنه. إن العزوف عن اتخاذ قرار يعيد هاتين المادتين إلى قاعات التدريس لا يخدم أهدافهما التربوية والوطنية، لأن الوطن لا يحتاج إلى جيل يحفظ المعلومات الوطنية فحسب، بل يحتاج إلى جيل يؤمن بها، ويعتز بتاريخه، ويدرك مسؤولياته، ويترجم انتماءه إلى سلوك عملي ومواقف مسؤولة. فهل يستجيب أصحاب القرار لهذا النداء، ويعيدون للتربية الوطنية والعلوم العسكرية مكانتهما في قاعات الجامعات والكليات، أم يبقى السؤال مطروحاً: التربية الوطنية إلى أين؟ حفظ الله الوطن وقائده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين وكل غيور على هذا الوطن الحبيب.
