
التحول الرقمي في القطاع العام بين الطموح والتحديات
بقلم أ.د. عاطف البواب
أصبح التحول الرقمي أحد أبرز محاور تحديث القطاع العام في الأردن، وتسعى الحكومة إلى رقمنة الخدمات الحكومية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. إلا أن نجاح هذا التحول لا يتحقق بمجرد شراء أجهزة الحاسوب أو تشغيل الأنظمة الإلكترونية، بل يعتمد بصورة أساسية على جاهزية الموارد البشرية، وكفاءة الأنظمة المستخدمة، وقدرتها على تلبية متطلبات العمل المؤسسي، لا سيما في الجوانب المالية والمحاسبية التي تشكل العمود الفقري للإدارة الحكومية.
وتكشف التجارب العملية في عدد من المنشآت الحكومية أن تطبيق الأنظمة المحاسبية المحوسبة ما زال يواجه تحديات فنية وإدارية تؤثر في كفاءة الأداء. فقد برزت ملاحظات تتعلق بتأسيس دليل الحسابات، وشاشات إدخال القيود المحاسبية، والتقارير المالية، وهي مكونات أساسية لأي نظام محاسبي إلكتروني. وأي قصور في هذه العناصر ينعكس مباشرة على دقة البيانات، وجودة التقارير المالية، وكفاءة الرقابة الداخلية، وسلامة القرارات الإدارية.
كما أظهرت التجربة أن العديد من الموظفين لم يحصلوا على التدريب الكافي قبل تشغيل الأنظمة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة الأخطاء في إدخال البيانات، وضعف الاستفادة من الإمكانات المتاحة، واللجوء في بعض الأحيان إلى السجلات الورقية أو الملفات المساندة، وهو ما يتعارض مع أهداف التحول الرقمي ويحد من مردوده المؤسسي.
ولا تقتصر التحديات على ضعف التأهيل، بل تمتد إلى غياب الاختبارات الشاملة للأنظمة قبل إطلاقها، وعدم إشراك المحاسبين والمدققين الداخليين والمستخدمين الفعليين في مراحل تصميم شاشات الإدخال والتقارير، مما أدى إلى اكتشاف العديد من الملاحظات بعد بدء التشغيل الفعلي بدلاً من معالجتها مسبقًا.
وهنا اقترح عمل خطة معالجة خلال ثلاثة أشهر، فإذا توافرت الإرادة الإدارية، فإن معالجة هذه التحديات لا تحتاج إلى سنوات، بل يمكن إنجازها خلال ثلاثة أشهر من خلال برنامج عمل متكامل.
الشهر الأول: التقييم والتشخيص
تشكيل فريق يضم مختصين في المحاسبة وتقنية المعلومات والرقابة الداخلية.
حصر جميع الملاحظات الواردة من المستخدمين.
مراجعة دليل الحسابات وشاشات الإدخال والتقارير.
تقييم الضوابط المحاسبية والرقابية داخل النظام.
الشهر الثاني: التطوير والتأهيل
تطوير شاشات النظام بما يتوافق مع احتياجات العمل الفعلية.
معالجة الثغرات البرمجية والرقابية.
تنفيذ برامج تدريب مكثفة للعاملين على النظام.
إعداد أدلة استخدام وإجراءات عمل موحدة.
الشهر الثالث: التشغيل التجريبي والتقييم
تشغيل النظام بعد إجراء التعديلات في بيئة تجريبية.
قياس معدلات الأخطاء وسرعة الإنجاز وجودة المخرجات.
معالجة الملاحظات النهائية.
اعتماد النظام رسميًا بعد اجتياز اختبارات الجودة وقبول المستخدمين.
متطلبات نجاح التحول الرقمي
ولضمان نجاح التحول الرقمي في المنشآت الحكومية، لا بد من توفير مجموعة من المتطلبات الأساسية، أهمها:
تأهيل الموظفين قبل تشغيل أي نظام جديد.
إشراك المحاسبين والمدققين الداخليين في تصميم وتطوير الأنظمة.
تطبيق معايير الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر.
إجراء اختبارات قبول المستخدمين User Acceptance Testing)) قبل التشغيل الرسمي.
إنشاء وحدات للدعم الفني والمتابعة والتطوير المستمر.
الخلاصة
إن التحول الرقمي ليس مشروعًا تقنيًا فحسب، بل هو مشروع إصلاح إداري ومالي متكامل يعتمد على كفاءة العنصر البشري بقدر اعتماده على التكنولوجيا. فالأنظمة المحاسبية المتطورة لن تحقق أهدافها إذا لم تُبنَ على أسس محاسبية ورقابية سليمة، وإذا لم يحصل العاملون على التدريب والتأهيل الكافيين.
إن معالجة الثغرات الفنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وإعادة اختبار الأنظمة خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، كفيلة برفع جودة البيانات المالية، وتعزيز الرقابة والشفافية، وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية، وتحويل التحول الرقمي إلى إنجاز مؤسسي ينعكس إيجابًا على أداء القطاع العام وثقة المواطنين بخدماته.
