الاحتياطيات الأجنبية في الأردن: قوة رقمية أم تحول اقتصادي مستدام؟

بقلم: النائب رند الخزوز – عضو اللجنة المالية
بلغت احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي الأردني نحو 28.5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخ المملكة، بما يعكس متانة الاستقرار النقدي ويؤكد قدرة السياسة النقدية على الحفاظ على ثبات سعر الصرف وضبط التضخم عند مستويات تقل عن 2%، رغم التحديات الإقليمية والدولية.
غير أن الاقتصاد لا يُقاس بالأرقام المجردة وحدها. فالسؤال لا يقف عند حجم الاحتياطي، بل يتجاوز ذلك إلى نوعيته ومصادره واستدامته.
ماذا يعني رقم 28.5 مليار دولار؟
يعني أن الأردن قادر على تغطية نحو عشرة أشهر من المستوردات، وهي نسبة تفوق بكثير المعايير الدولية المريحة التي تعتبر أن ثلاثة أشهر حدًّا أوليًا للأمان النقدي، ما يمنح الاقتصاد الوطني مظلة حماية مهمة في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية.
تشير المؤشرات الكلية إلى مجموعة من العوامل الإيجابية، من بينها نمو اقتصادي يقارب 2.8%، وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 27–28%، ونمو الصادرات الوطنية بنسبة 9%، وتحسن الدخل السياحي بارتفاع 7.6%، إضافة إلى ارتفاع حوالات المغتربين بنسبة 4.6% خلال أول أحد عشر شهرًا من عام 2025. كما ارتفعت ودائع العملات الأجنبية، وزاد نشاط سوق رأس المال، وبلغت احتياطيات الذهب نحو 2.342 مليون أونصة بقيمة تقارب 10 مليارات دولار حتى نهاية عام 2025، بالتزامن مع انخفاض نسبة الدولرة إلى 17.6%، وهو مؤشر يعكس تراجع الطلب على الدولار وتعزيز الثقة بالدينار الأردني.
كما أسهمت حقوق السحب الخاصة (SDRs) في دعم الاحتياطي، إلى جانب تحسن تدفقات العملات الأجنبية من مصادر إنتاجية وخدمية ودولية، ما يعكس ثقة متزايدة بالاقتصاد الوطني.
إلا أن التحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين مصدرين رئيسيين لتراكم الاحتياطيات:
الأول، تدفقات حقيقية مستدامة، مثل الصادرات والسياحة والتحويلات والاستثمار الإنتاجي.
والثاني، تدفقات مالية مرتبطة بإصدارات دين خارجي أو تمويلات متعددة الأطراف.
فالاقتصاد الأردني لا يزال يسجل عجزًا في الحساب الجاري، ما يعني أن جزءًا من التمويل يأتي تقليديًا عبر الحساب المالي، بما في ذلك السندات السيادية أو القروض الميسرة. وعليه، فإن الارتفاع في الاحتياطيات ليس نتاج توسع إنتاجي خالص، كما أنه ليس نتيجة اقتراض مفرط، بل هو مزيج من الاثنين، مع مؤشرات إيجابية تميل لصالح تحسن تدريجي في الأداء الاقتصادي الحقيقي، مدعومًا بإدارة مالية ونقدية منضبطة.
كما أن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب عالميًا أسهم في تعزيز قيمة الاحتياطيات، ما يؤكد أهمية تنويع الأصول، مع ضرورة مرافقة ذلك بسياسة تحوط فاعلة تقلل من مخاطر تقلب الأسعار مستقبلاً.
أما العلاقة بين الاحتياطيات والدين العام، فإن انخفاض العجز المالي وتحسن التصنيفات الائتمانية يعززان الثقة بالاقتصاد الوطني ويخفضان كلفة الاقتراض. وهنا تبرز فرصة مهمة لإعادة هيكلة جزء من المديونية القائمة، عبر استبدال ديون مرتفعة الكلفة بأخرى أقل فائدة وأطول أجلًا، مستفيدين من قوة المركز النقدي الحالي.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الاحتياطي وحده، بل في قدرته على دعم استدامة المالية العامة وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي.
ونحن أمام فرصة مهمة مع بدء المرحلة الثانية من برنامج التحديث الاقتصادي 2026–2029، الذي تتجاوز مشاريعه 12 مليار دينار، فإن المطلوب هو تحويل هذه القوة النقدية إلى قوة إنتاجية حقيقية، عبر المضي قدمًا في تنفيذ مشاريع التحديث، ومراجعة معيقات الانطلاقة الاقتصادية، وخفض كلف الطاقة، وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال النمو لا الجباية، وتوجيه القطاع المصرفي نحو تخفيض أسعار الفائدة بما يسمح بتوسيع الإنفاق الاستثماري.
فالاحتياطيات المرتفعة ليست مدعاة للاكتفاء بالفخر بها، بل هي أداة استراتيجية يجب توظيفها لخدمة الاقتصاد الحقيقي. وهي وسيلة وليست غاية؛ وسيلة لبناء اقتصاد منتج قادر على توليد عملة صعبة من أدائه الداخلي، لا الاكتفاء بإدارتها عبر التدفقات الخارجية.
اليوم، لدينا احتياطي غير مسبوق، لكن السؤال الذي يطرحه كل مواطن هو: كيف نحول هذه القوة النقدية إلى قوة اقتصادية مستدامة تنعكس على دخله، واستقرار معيشته، وفرص عمل أبنائه، وجودة حياة أسرته؟
وهنا يبرز دور مجلس النواب في الرقابة والمتابعة، لضمان توجيه هذه القوة المالية نحو استثمارات إنتاجية حقيقية، وترجمتها إلى نمو أقوى وفرص عمل أوسع، بما يحقق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
فالاستقرار النقدي هو الأساس…
لكن التنمية الاقتصادية هي الغاية.



