Uncategorized

اثنا عشر عامًا من الوقف والعطاء…

 

بقلم الدكتورة دعاء جمال أبو درويش
أكتب هذه الكلمات بعد اثني عشر عامًا على تأسيس جمعية الدكتور بشار أبو درويش الخيرية، وما زالت الذكرى حاضرةً في قلبي كأنها الأمس. اثنا عشر عامًا مرّت، لكن صورة أخي الدكتور بشار رحمه الله لا تفارقني، ولا يفارقني ذلك اليوم الأليم الذي فقدناه فيه مع والدتي وجدتي رحمهم الله جميعًا في حادثٍ موجعٍ غيّر ملامح حياتنا إلى الأبد. كان الفقد أكبر من الكلمات، وكان الألم أعمق من أن يُروى، لكننا تعلمنا أن الإيمان بالله هو السند، وأن الأثر الطيب هو العزاء الحقيقي.
أخي بشار لم يكن مجرد اسم نحمله في الذاكرة، بل كان إنسانًا يحمل في قلبه محبة الناس وخدمتهم، وكان يؤمن أن العلم رسالة، وأن العطاء قيمة لا تُقاس. رحل جسده، لكن روحه بقيت بيننا تدفعنا لنكمل الطريق، وتحثّنا على أن يكون لذكراه امتدادٌ في الخير والعمل الصالح.
وسط هذا الألم، وقف والدي المهندس جمال سند أبو درويش موقفًا سيبقى محفورًا في ذاكرتي ما حييت. لم يستسلم للحزن، ولم يسمح للفاجعة أن تكسر إرادته، بل حوّل وجعه إلى مشروع حياة. تبرع بقطعة أرض لتكون وقفًا خالصًا لروح أخي، وأقام عليها عام 2014 قاعة الدكتور بشار جمال سند أبو درويش، لتكون قاعةً عامةً مجانية تخدم أبناء الوطن وأبناء الوطن العربي دون مقابل. كانت تضحيته درسًا لنا جميعًا في معنى الوفاء الحقيقي، وفي أن أعظم ما يُهدى للراحلين صدقةٌ جاريةٌ تبقى بعدهم.
كبرت الجمعية عامًا بعد عام، وتحولت إلى بيتٍ مفتوحٍ للناس جميعًا. احتضنت الأفراح والأتراح، واستضافت الاجتماعات والفعاليات المجتمعية، واستقبلت الوفود الرسمية، وكانت محطة تكريمٍ للمبدعين وأصحاب الإنجازات. كما كان لنا شرف استقبال حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين العابرين لمدينة معان، وتقديم واجب الضيافة لهم بمحبة واعتزاز.
ولم يقتصر دور الجمعية على القاعة، بل امتد ليشمل رعاية الأسر العفيفة والأيتام وطلبة العلم، وتقديم المساعدات الغذائية والعينية للمحتاجين، إيمانًا منا بأن الخير رسالة متكاملة، وأن الوقف ليس بناءً فحسب، بل منظومة عطاء تحفظ كرامة الإنسان وتدعم استقراره.
كلما دخلت القاعة ورأيت الناس مجتمعين فيها، أشعر أن أخي حاضر بيننا بروحه، وأن دعوات الأمهات وابتسامات الأطفال تصل إليه نورًا ورحمة. وأرى في تضحية والدي مثال الأب الذي لم يحتفظ بألمه لنفسه، بل جعله جسراً يعبر عليه الخير إلى الآخرين.
اثنا عشر عامًا مضت، وما زالت المسيرة مستمرة بإذن الله. أسأل الله أن يتقبل هذا العمل في ميزان حسنات أخي ووالدتي وجدتي رحمهم الله جميعًا، وأن يحفظ والدي ويبارك في عمره، وأن تبقى جمعية الدكتور بشار أبو درويش الخيرية منارة عطاءٍ لا ينطفئ نورها، ورسالة وفاءٍ تؤكد أن الألم حين يُصاغ بالإيمان يتحول إلى أثرٍ لا ينقطع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى