
إعادة النظر في هيئة الطاقة الذرية الأردنية.. هل تجرؤ الحكومة على ذلك؟
221.9 مليون دينار خلال 18 عاماً، ولا كهرباء نووية تصل إلى منازل الأردنيين.. فهل حان وقت مراجعة الحسابات؟
بقلم أ.د. عاطف البواب
مع اقتراب فصل الشتاء، يعود القلق إلى بيوت الأردنيين مع كل فاتورة كهرباء، فيما تستعد الأسر لمواجهة كلفة التدفئة وارتفاع الاستهلاك. وبين مواطن يحسب مصروفه بالدينار، ومؤسسات حكومية تنفق الملايين على مشاريع استراتيجية، يبرز سؤال يستحق إجابة صريحة: ماذا حققت هيئة الطاقة الذرية الأردنية للمواطن بعد نحو عقدين على تأسيسها؟ وهل تجرؤ الحكومة على إعادة النظر في جدوى استمرارها وبرامجها وكلفتها؟
تأسست الهيئة مطلع عام 2008، حاملة وعوداً كبيرة بتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، واستثمار اليورانيوم الأردني، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة، وصولاً إلى تعزيز استقلال المملكة في مجال الطاقة. كانت الأهداف طموحة، لكن المعيار الحقيقي لأي مؤسسة عامة ليس جمال أهدافها، بل النتائج التي تحققها مقابل الأموال التي تنفقها.
وفقاً للأرقام المنشورة على الموقع الرسمي للهيئة، بلغ إجمالي الإنفاق الجاري والرأسمالي خلال الفترة 2008–2025 نحو 221.93 مليون دينار، منها 154.79 مليون دينار نفقات رأسمالية و65.14 مليوناً نفقات جارية، فيما قُدرت نفقات عام 2025 بنحو 13.84 مليون دينار. وهذه أرقام كبيرة تستوجب تقييماً جدياً للعائد مقابل الكلفة، لا الاكتفاء بسرد الإنجازات والخطط المستقبلية.
ولا بد من التوضيح أن هذه الأرقام تجمع بيانات الإنفاق المنشورة وتقديرات 2025، وليست جميعها موازنات تقديرية أو حسابات ختامية مدققة، لذلك فإن أول ما ينبغي أن تقدمه الحكومة هو كشف موحد يميز بين المخصصات المرصودة والمبالغ المصروفة فعلياً.
المفارقة أن الهدف الأكبر، وهو إنشاء محطة نووية تجارية لتوليد الكهرباء، لم يتحقق حتى الآن. فقد تغيرت التوجهات من مشروع المحطة الكبيرة إلى دراسة المفاعلات الصغيرة، بعد تعثر المسار السابق بسبب اعتبارات الكلفة والتمويل. ومن حق الأردنيين أن يسألوا: كم كلفتنا الدراسات والمفاوضات السابقة؟ وما الذي تحقق مقابل تلك النفقات؟ ومن يتحمل مسؤولية تقييم الخيارات التي لم تصل إلى مرحلة الإنتاج؟
قد تقول الهيئة إنها أنشأت مفاعلاً بحثياً وتدريبياً، وطورت مختبرات وكفاءات وطنية، وأسهمت في إنتاج نظائر مشعة للاستخدامات الطبية. وهذه إنجازات لا يجوز إنكار قيمتها العلمية. لكن السؤال الاقتصادي يبقى قائماً: ما كلفة تشغيل هذه المنشآت؟ وما حجم الإيرادات والوفورات التي حققتها؟ وكم وفرت على القطاع الصحي؟ وما العائد الملموس الذي وصل إلى المواطن؟
أما مشروع اليورانيوم، الذي رُوّج له بوصفه مورداً استراتيجياً للأردن، فلا يكفي فيه الحديث عن الاحتياطيات والتجارب. المطلوب إثبات جدوى الإنتاج التجاري بالأرقام، وتحديد كلفته وأسواقه والعوائد المتوقعة منه، بدلاً من إبقاء المواطن معلقاً بوعود الثروة المقبلة.
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحاً عندما ننظر إلى واقع الطاقة المنزلية. فمع حلول الشتاء، ترتفع حاجة الأسر إلى التدفئة، ويزداد استهلاك الكهرباء لدى كثير منها، فتثقل الفاتورة كاهل ذوي الدخل المحدود والمتوسط. صحيح أن ارتفاع الفاتورة الشتوية يرتبط أساساً بزيادة الاستهلاك، وليس بالضرورة بزيادة التعرفة، لكن المواطن يريد أن يعرف أين انعكست سنوات الإنفاق على البرنامج النووي على أمن الطاقة وكلفتها واستقرارها.
إن إعادة النظر لا تعني إغلاق أبواب البحث العلمي أو التخلي عن التكنولوجيا النووية، بل تعني إخضاع الهيئة والبرنامج لمراجعة مستقلة وشفافة، تنشر النفقات الفعلية لكل مشروع، وتقارنها بالنتائج، وتحدد الالتزامات المستقبلية والجدول الزمني والعائد الاقتصادي المتوقع. كما ينبغي مقارنة الخيارات النووية ببدائل الطاقة المتجددة والتخزين وكفاءة الاستهلاك على أساس الكلفة والمخاطر والنتائج.
هل تجرؤ الحكومة على ذلك؟ هل تضع ملف الهيئة أمام البرلمان والجهات الرقابية والرأي العام، وتعلن بوضوح ما تحقق وما تعثر، وما إذا كان استمرار الإنفاق بالشكل الحالي هو الخيار الأفضل؟
بعد 18 عاماً وأكثر من 221 مليون دينار من الإنفاق المعلن، لم يعد كافياً أن تكون الإجابة أن الطاقة النووية مشروع استراتيجي يحتاج إلى الوقت. فالاستراتيجية التي لا تخضع للمحاسبة قد تتحول إلى التزام مالي مفتوح، والمواطن الذي ينتظر دفئاً أقل كلفة يستحق نتائج لا وعوداً.
إن إعادة النظر في هيئة الطاقة الذرية الأردنية ليست موقفاً ضد العلم، بل اختبار لجدية الحكومة في حماية المال العام. فالسؤال ليس كم أنفقنا فقط، وإنما ماذا حصلنا في المقابل، ومتى سيشعر المواطن بأن هذه الاستثمارات خدمت حياته فعلاً؟
