منبر الكلمة

رئيس التحرير الزميل عدنان نصّار يكتب : الرؤية الأردنية للحرب الدائرة… حين تصبح الحكمة خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا سياسيًا

 

عدنان نصّار

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس مواقف الدول بحدّة خطابها، بل بقدرتها على قراءة ما وراء الدخان. فالحروب، كما تبدو على الشاشات، ليست سوى الواجهة الصاخبة لمعركةٍ أعمق: معركة القرار، ومعركة الوعي، ومعركة من يملك شجاعة التهدئة حين يندفع الآخرون نحو الحافة.
في هذا السياق، يبرز الموقف الأردني بوصفه حالةً سياسية تستحق التوقف. ليس لأنه خارج المشهد، بل لأنه في قلبه، يتأثر به ويتفاعل معه، لكنه يرفض أن يكون جزءًا من اندفاعٍ غير محسوب. فالأردن، الذي خبر الجغرافيا القاسية والتاريخ المتقلب، لم يعد يتعامل مع الأزمات بردود الفعل، بل بمنطق استباقي يُدرك أن كل حربٍ في الإقليم تحمل في طياتها احتمالات التمدد، وأن شرارة صغيرة قد تتحول إلى حريقٍ واسع لا يمكن السيطرة عليه.
من هنا، تتجلى الرؤية الأردنية للحرب الدائرة اليوم كمنظومة متكاملة، لا مجرد موقفٍ سياسي عابر. فهي تقوم أولًا على مبدأ واضح: رفض التصعيد، والدفع المستمر نحو التهدئة، ليس بوصفه خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية لحماية ما تبقى من استقرارٍ هش في المنطقة. فالدولة التي تدرك حدودها وإمكاناتها، وتعي حجم التحديات المحيطة بها، لا تذهب إلى المغامرة، بل تبحث عن مساحات النجاة.
لكن هذه العقلانية لا تعني الانفصال عن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي تبقى في صلب الموقف الأردني، سياسيًا وإنسانيًا. فالأردن لا يوازن بين الحق والواقع ببرود، بل يحاول أن يخلق معادلة صعبة: الدفاع عن الحقوق، دون الانجرار إلى فوضى قد تطيح بما تبقى من فرص الحل. ولهذا، كان الخطاب الأردني واضحًا في إدانة الانتهاكات، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، والتحذير من تداعيات استمرار الحرب على مستقبل المنطقة بأكملها.
اقتصاديًا، يدرك الأردن أن أي تصعيد إقليمي سيعني مزيدًا من الضغط على دولةٍ تعاني أصلًا من تحديات كبيرة. فالحروب لا تبقى في ساحاتها، بل تمتد إلى الأسواق، إلى سلاسل الإمداد، إلى كلفة المعيشة، وإلى مزاج المجتمعات. ومن هنا، فإن الحفاظ على الاستقرار الداخلي ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة معيشية تمس حياة الناس اليومية.
أما إنسانيًا، فالأردن يتعامل مع الحرب من زاوية مختلفة. فهو بلدٌ لم يتعلم قراءة الأزمات من التقارير فقط، بل من التجربة المباشرة. بلدٌ استقبل موجات اللجوء، وعايش قصص الفقد، وفهم أن كل رقم في نشرات الأخبار هو حياةٌ مكسورة أو مستقبلٌ معلق. لذلك، فإن دعوته لوقف الحرب ليست خطابًا دبلوماسيًا بقدر ما هي صرخة واقعية تنبع من ذاكرة مثقلة بالتجارب.
غير أن هذا الموقف المتوازن لا يخلو من التحديات. ففي زمن الاستقطاب، يصبح الاعتدال موقفًا صعبًا، ويُساء فهمه أحيانًا. هناك من يرى في التهدئة ضعفًا، وفي الدعوة للحلول السياسية نوعًا من التنازل. لكن الأردن، عبر تجربته الطويلة، أثبت أن الانجرار وراء الشعارات لا يبني دولًا، وأن الحفاظ على التوازن في لحظات الانفجار هو بحد ذاته إنجاز سياسي.
ولعل أهم ما يميز الرؤية الأردنية اليوم هو إدراكها أن الحروب الحديثة لا تُحسم في الميدان فقط، بل في قدرتها على إعادة تشكيل المنطقة لسنوات طويلة قادمة. فكل طلقة تُطلق اليوم، قد تُعيد رسم خرائط الغد، وكل قرار متسرع قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
من هنا، يمكن فهم الإصرار الأردني على أن الحل لا يكون عسكريًا، بل سياسيًا، شاملًا، يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها. فالتجارب أثبتت أن الحروب في منطقتنا لا تنتهي بانتصارٍ واضح، بل بندوبٍ عميقة تبقى لعقود.
وفي المحصلة، لا يسعى الأردن إلى تسجيل موقفٍ إعلامي، ولا إلى رفع سقف الخطاب، بل إلى حماية ما يمكن حمايته في زمنٍ تتساقط فيه الكثير من الثوابت. إنه موقف الدولة التي تعرف وزنها، وتدرك موقعها، وتختار أن تكون صوت العقل في زمن الضجيج.
قد لا يكون هذا الصوت الأعلى، لكنه بالتأكيد من أكثر الأصوات وعيًا بما يحدث… وأكثرها حرصًا على ما سيحدث.
وفي منطقةٍ اعتادت أن تدفع ثمن قراراتها المتسرعة، يبقى صوت الحكمة، وإن بدا هادئًا، هو الصوت الذي يُنقذ ما تبقى من المعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى