
إدارة وتقييم الأداء الوظيفي… عندما يتحول الموظف من وظيفة إلى قيمة مضافة للدولة
بقلم: مؤيد أحمد المجالي
ليست إدارة الأداء الوظيفي مجرد نموذج يُملأ في نهاية العام، ولا هي علامة رقمية يحصل عليها الموظف ثم تُحفظ في ملفه الوظيفي.
إدارة الأداء، في جوهرها، هي (فلسفة إدارية متكاملة) تقوم على سؤال أكثر عمقاً:
ماذا أنجز الموظف؟ وكيف أنجزه؟ وما القيمة التي أضافها هذا الإنجاز إلى مؤسسته، ثم إلى الخدمة العامة والدولة؟
وهنا تحديداً تكمن أهمية الانتقال من مفهوم (تقييم الأداء) إلى مفهوم (إدارة الأداء).
فالتقييم يأتي في مرحلة من مراحل العملية، أما الإدارة فتبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ بتحديد ما هو مطلوب من الموظف، وربطه بأهداف وحدته التنظيمية، ثم ربط هذه الأهداف بالأهداف المؤسسية والاستراتيجية، وتحديد مؤشرات واضحة لقياس الإنجاز، ومتابعة الأداء أثناء العمل، وتقديم التغذية الراجعة، ومعالجة الانحرافات، ثم الوصول في نهاية المطاف إلى تقييم موضوعي يستند إلى وقائع ونتائج موثقة.
وهذا هو المنطق الذي يقوم عليه مفهوم (إدارة وتقييم الأداء الوظيفي)؛ إذ يربط بين الخطة الاستراتيجية والخطة التشغيلية والأهداف الفردية ومؤشرات الأداء والمتابعة والتقييم والتطوير. كما يؤكد أن إدارة الأداء الفردي أداة لتحسين الإنتاجية وجودة الخدمات وتحقيق الأهداف الاستراتيجية بكفاءة وفعالية.
الفرق بين تقييم الموظف وإدارة أدائه:
الفرق بين المفهومين ليس لغوياً.
إن (تقييم الأداء) يعني في أحد جوانبه قياس ما تحقق من أهداف ونتائج وفق معايير محددة.
أما (إدارة الأداء) فهي عملية مستمرة تبدأ بالتخطيط ولا تنتهي بالتقييم.
ولهذا تتضمن العملية تحديد الأهداف والنتائج، ووضع مؤشرات الأداء والمستهدفات، ومتابعة التنفيذ، وتوثيق الإنجازات، وعقد مراجعات دورية، وتحديد نقاط القوة والضعف، وتحليل أسباب الانحراف، ثم وضع خطط التحسين والتطوير.
إن من عوامل نجاح إدارة الأداء:
– وجود خطة استراتيجية متوائمة مع التوجهات الوطنية،
– ربط الخطط التشغيلية بالأهداف المؤسسية،
– ربط الخطط الفردية بأهداف الوحدة التنظيمية،
– استمرار المتابعة والتوجيه،
– توافر بطاقات وصف وظيفي محدثة،
– الموضوعية والشفافية والتوثيق،
– ربط الاحتياجات التدريبية بالأداء.
وهذا يعني أن الموظف لا ينبغي أن يدخل سنة العمل وهو لا يعرف بدقة:
ماذا يُطلب منه؟ وكيف سيُقاس أداؤه؟ ومتى سيُقاس؟ وما مستوى الإنجاز المتوقع منه؟
لا يمكن قياس أداء عادل بلا أهداف واضحة:
أحد أهم عناصر إدارة الأداء هو أن تكون أهداف الموظف واضحة وقابلة للقياس والتحقق.
ولهذا من المفيد اعتماد معايير (SMART) التي تجعل الهدف محدداً، قابلاً للقياس، قابلاً للتحقيق، واقعياً ومرتبطاً بالعمل، ومحدداً زمنياً.
وهذه المسألة تبدو بسيطة، لكنها في الواقع جوهرية.
فلا يمكن أن نقول لموظف: (نريد منك تحسين الأداء) ثم نأتي في نهاية العام لنحاسبه على عبارة فضفاضة لا يعرف أحد كيف يقيسها.
أما عندما نقول له مثلاً: إنجاز عدد محدد من المعاملات، خلال مدة محددة، وفق معيار جودة محدد، وبنسبة إنجاز محددة، فإننا ننتقل من الانطباع إلى القياس.
ومن هنا تأتي أهمية مؤشرات الأداء؛ إذ يُشترط لقياس الأداء بشكل موضوعي تحديد المؤشر ووحدة قياسه، وخط الأساس، والقيمة المستهدفة، ومصدر البيانات وطريقة الحصول عليها والفترة الزمنية والمسؤول عن جمعها وتحليلها.
الأداء ليس رقماً فقط:
إن الخطأ الأكبر هو اختزال الأداء في الأرقام؛ فالموظف قد ينجز عدداً كبيراً من المعاملات، لكنه يرتكب أخطاء كثيرة، وقد ينجز عمله بسرعة، لكنه لا يلتزم بالجودة، وقد يحقق أهدافه الفردية، لكنه لا يتعاون مع فريقه.
لذلك فإن الإدارة الحديثة للأداء تنظر إلى (النتائج والكفايات والسلوك وعناصر التميز) باعتبارها مكونات متكاملة للأداء؛ إذ ينبغي ربط التقييم بالنتائج والكفايات وعناصر التميز، وعدم الاكتفاء بمجرد حجم العمل المنجز.
والهدف في النهاية ليس إنتاج موظف سريع فحسب، وإنما (موظف منتج، دقيق، مسؤول، قادر على التطور، ويضيف قيمة حقيقية إلى المؤسسة).
الرئيس المباشر هو الحلقة الأخطر في منظومة الأداء:
يمكن أن تكون لدينا أفضل النماذج وأدق المؤشرات، ومع ذلك يفشل نظام إدارة الأداء إذا لم يمتلك الرئيس المباشر القدرة على تطبيقه بصورة موضوعية؛ فالرئيس المباشر ليس مجرد شخص يضع علامة في نهاية العام، بل هو الذي يشارك في تحديد الأهداف، ويتابع الإنجاز، ويوجه الموظف، ويوثق الوقائع، ويقدم التغذية الراجعة، ويحدد نقاط القوة والضعف، ويشارك في تحديد الاحتياجات التطويرية.
ولهذا فإن إدارة الأداء الحقيقية تفرض على المدير أن ينتقل من عقلية:
(أنا أقيّمك)
إلى عقلية:
(أنا أدير أداءك وأساعدك على تحسينه).
وهذا التحول وحده قادر على تغيير طبيعة العلاقة الإدارية داخل المؤسسة.
فالموظف الذي يعرف ما هو مطلوب منه، ويتلقى توجيهاً مستمراً، ويعرف أين أخطأ، وكيف يمكن أن يتحسن، يصبح أكثر قدرة على تصحيح مساره قبل أن يصل إلى نهاية السنة ويكتشف أن تقييمه أصبح ضعيفاً.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن أنظمة إدارة الأداء الفعالة تساعد المديرين على مواءمة أعمال الموظفين مع أهداف فرقهم ومؤسساتهم والخدمة المدنية ككل، كما تساعد على تحديد فجوات المهارات واحتياجات التطوير.
إدارة الأداء ليست أداة للعقاب:
ومن أخطر الأخطاء أن يتحول تقييم الأداء إلى وسيلة لمعاقبة الموظف.
التقييم المهني ليس بحثاً عن الأخطاء، وإنما (أداة لمعرفة الحقيقة المهنية).
إذا كان الموظف متميزاً، فيجب أن يظهر تميزه.
وإذا كان لديه قصور، فيجب أن يظهر القصور.
وإذا كان سبب القصور نقص التدريب، فيجب معالجة التدريب.
وإذا كان السبب سوء توزيع العمل، فيجب معالجة التنظيم.
وإذا كان السبب غموض الهدف، فيجب مراجعة الهدف.
وإذا كانت المشكلة في الموارد أو الإجراءات أو بيئة العمل، فلا يجوز تحميل الموظف وحده مسؤولية خلل النظام.
وهنا تتحول إدارة الأداء إلى أداة للتطوير المؤسسي، لا إلى مجرد آلية للحكم على الموظفين.
ماذا تستفيد الدولة؟
هنا نصل إلى النقطة الأهم.
قد يبدو للوهلة الأولى أن إدارة الأداء شأن داخلي يتعلق بالموظف ورئيسه والمؤسسة التي يعملان فيها.
لكن الحقيقة أن أثرها يتجاوز ذلك بكثير.
فإذا ارتفع أداء الموظف، ارتفع أداء القسم.
وإذا ارتفع أداء الأقسام، ارتفع أداء المؤسسة.
وإذا تحسن أداء المؤسسات، تحسنت جودة الخدمات العامة.
وإذا تحسنت الخدمات العامة، انعكس ذلك على المواطن والاقتصاد والثقة بالمؤسسات وكفاءة استخدام الموارد العامة.
أي أننا أمام سلسلة مترابطة:
(موظف أفضل – وحدة تنظيمية أفضل – مؤسسة أكثر كفاءة – خدمة عامة أفضل – استخدام أفضل للموارد – دولة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها).
وهذا ليس مجرد تصور نظري؛ فمراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للأردن تربط إدارة الأداء بالتخطيط الاستراتيجي وتنفيذ الخطط وتحسين تخصيص الموارد وتقديم الخدمات، وترى في ذلك جزءاً من تعزيز الشفافية والمساءلة والثقة العامة.
كما تشير المنظمة إلى أن إدارة الأداء الفعالة في الإدارات الحكومية تساعد على تطوير المواهب، واكتشاف فجوات المهارات، وتصحيح ضعف الأداء، وربط جهود الموظفين بالنتائج العامة التي تقدمها الحكومة للمواطنين.
الدولة لا تحتاج إلى موظفين أكثر بقدر ما تحتاج إلى أداء أفضل:
وهنا تظهر قيمة إدارة الأداء في ظل محدودية الموارد العامة.
فالإدارة الرشيدة لا تقاس فقط بعدد الموظفين، وإنما بقدرة الجهاز الإداري على تحويل الموارد البشرية والمالية والزمن المتاح إلى نتائج ملموسة.
المشكلة ليست دائماً في نقص الموارد.
أحياناً تكون المشكلة في طريقة استخدام الموارد.
إن موظف يعمل ثماني ساعات ولا ينتج القيمة المطلوبة منه، ومؤسسة لديها مئات الموظفين لكنها تعاني البطء والتكرار، وإجراءات تستهلك الوقت دون أن تضيف قيمة، وموارد تنفق دون أن يكون أثرها واضحاً؛ كل ذلك يمثل خسارة للدولة حتى لو لم يظهر في بند مالي مباشر.
ولهذا فإن إدارة الأداء يمكن أن تصبح إحدى أدوات رفع الكفاءة الحكومية دون أن يكون الطريق الوحيد إلى ذلك هو زيادة الإنفاق.
من ثقافة الحضور إلى ثقافة الإنجاز:
ربما تكون إحدى أهم النتائج التي يمكن أن تحققها الإدارة الاحترافية للأداء هي تغيير الثقافة الإدارية نفسها.
نحن بحاجة إلى الانتقال من السؤال:
هل حضر الموظف؟
إلى السؤال:
ماذا أنجز؟
ومن السؤال:
كم سنة أمضى في الوظيفة؟
إلى السؤال:
ماذا أضاف خلال هذه السنوات؟
ومن:
هل نفذ التعليمات؟
إلى:
هل حقق النتائج المطلوبة وفق القانون والمعايير والجودة؟
ومن:
كيف نمنحه تقييماً؟
إلى:
كيف نرفع مستوى أدائه؟
وهذا لا يعني التقليل من أهمية الانضباط الوظيفي، وإنما يعني وضع الانضباط في مكانه الصحيح ضمن منظومة أكبر عنوانها (النتائج والكفاءة والجودة والمسؤولية).
النجاح الحقيقي يبدأ من التطبيق:
لكن كل ذلك يبقى مجرد شعارات إذا لم تتحول إدارة الأداء إلى ممارسة يومية.
فالأنظمة لا تصنع وحدها أداءً مرتفعاً.
والنماذج لا تصنع وحدها موظفاً متميزاً.
ومؤشر الأداء لا يصبح مفيداً لمجرد وجوده على الورق.
النجاح يحتاج إلى مدير يفهم النظام ويطبقه بعدالة، وموظف يعرف حقوقه وواجباته، وأهداف واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومعلومات موثوقة، ومتابعة مستمرة، وتوثيق حقيقي، وتغذية راجعة، وإرادة مؤسسية للتعامل مع نتائج التقييم.
وتشير خبرة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن من أبرز تحديات أنظمة تقييم الأداء عدم اتساق تطبيقها بين المديرين، وضعف فهم كيفية إدارة الأداء، وضعف الصلة بين نتائج التقييم والإجراءات المترتبة عليها؛ أي أن وجود النظام وحده لا يكفي، وإنما (جودة التطبيق وقدرة المديرين على استخدامه) عنصران حاسمان.
وبناء على ما تقدم، يتبين لنا أن إدارة وتقييم الأداء الوظيفي ليستا إجراءً بيروقراطياً جديداً يضاف إلى ملفات الموظفين.
إنهما جزء من (الإدارة الحديثة للدولة).
وعندما يدار الأداء بصورة احترافية، يصبح الموظف أكثر وضوحاً في أهدافه، والرئيس أكثر قدرة على توجيه فريقه، والمؤسسة أكثر قدرة على قياس نتائجها، والموارد البشرية أكثر قدرة على اكتشاف المواهب ومعالجة فجوات الأداء، والحكومة أكثر قدرة على معرفة ما تحقق فعلاً من أهدافها.
والأهم من ذلك كله أن المواطن يصبح المستفيد النهائي.
فكل دقيقة يتم توفيرها، وكل إجراء يتم تبسيطه، وكل خطأ يتم تقليله، وكل معاملة تنجز بجودة أعلى، وكل موظف يتم تطوير قدراته، وكل مورد عام يستخدم بكفاءة، هو في النهاية (قيمة مضافة للدولة والمجتمع).
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل لدينا نظام لإدارة وتقييم الأداء؟
بل أصبح:
هل نُطبّق هذا النظام فعلاً بطريقة مهنية عادلة تقيس الإنجاز، وتكتشف القصور، وتكافئ التميز، وتصلح الخلل، وتحوّل الأداء الفردي إلى قيمة عامة؟
فالدولة القوية إدارياً ليست الدولة التي تملك أكبر عدد من الموظفين، وإنما الدولة التي تستطيع أن تجعل كل موظف يعرف لماذا يعمل، وماذا يجب أن ينجز، وكيف سيقاس أداؤه، وكيف يمكن أن يصبح أفضل.
وعندما يحدث ذلك، لا يعود الموظف مجرد شاغل لوظيفة، ولا يصبح التقييم مجرد علامة في نهاية العام؛ بل يتحول الأداء الوظيفي إلى إحدى الأدوات الحقيقية لبناء دولة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر فاعلية، وخدمات عامة أكثر جودة.
