
« أين الملك؟!… التواريخ تجيب… والوقائع تحسم »
الكاتب والمحلل الأمني د. بشير الدعجه
أين الملك؟… هذا هو الرد الذي لا تستطيع الخرائط إخفاءه!
ثمانية أشهر من عام 2026… والتاريخ يكشف أين كان الملك عبدالله الثاني وماذا كان .
في 24 آب 2026… نشرت مجلة Foreign Policy الأميركية مقالاً للكاتب آرون ماغيد حمل عنواناً لافتاً: «Where Is King Abdullah?»… «أين الملك عبدالله؟»… وهو عنوان صحفي جذاب بلا شك… لكنه يفتح الباب أمام سؤال آخر أكثر أهمية… هل يُقاس حضور الملك بعدد الأيام التي يقضيها داخل الحدود الأردنية… أم بما يفعله للأردن أينما كان؟.
المقال أثار نقاشاً واسعاً في الأردن… وتلقفته منصات التواصل الاجتماعي والصالونات السياسية والإجتماعية… وبدأت تتكرر التساؤلات حول كثرة الزيارات الخارجية… وغياب الظهور الإعلامي المباشر… وكأن وجود الملك خارج الأردن يعني بالضرورة غيابه عن الأردن.
لكن المشكلة هنا ليست في السؤال… وإنما في الطريقة التي يُراد بها تقديم الإجابة…
فجلالة الملك عبدالله الثاني ليس موظفاً يرتبط حضوره بمكتبه… وليس مطلوباً من رأس الدولة أن يكون موقعه الجغرافي هو معيار حضوره السياسي… لأن بعض أهم مصالح الأردن وأمنه واقتصاده وعلاقاته الدولية تُدار أصلاً خارج حدوده.
ولهذا… فإن أفضل رد على سؤال «أين الملك؟» ليس خطاباً إنشائياً… أو عاطفياً ًوإنما سجل الأيام والشهور والزيارات واللقاءات والقرارات.
ومن يريد الإجابة… فليقرأ عام 2026 من كانون الثاني إلى نهاية آب الحالي.
* شهر كانون الثاني… من أوروبا إلى الأمن العام والجيش.
بدأ جلالة الملك العام بقمة أردنية أوروبية في 8 كانون الثاني… حيث التقى الملك رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية… وبحث معهم الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والاتحاد الأوروبي… والتعاون الاقتصادي… والتطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية.
وفي 12 كانون الثاني… رعى الملك إطلاق البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029… والذي تضمن 392 مشروعاً… باستثمارات متوقعة تقارب 10 مليارات دينار.
ثم في 13 كانون الثاني… كان الملك في مديرية الأمن العام… يتابع جاهزية الجهاز الأمني… ويطلع على مشاريعه وخططه للتطوير والتحديث واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمل الشرطي.
وفي 24 كانون الثاني… وجه الملك بإعداد استراتيجية وخارطة طريق لإعادة هيكلة وتحديث القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي… بما يواكب متطلبات الحروب الحديثة.
وفي 26 كانون الثاني… زار الملك وولي العهد القيادة العامة للقوات المسلحة… واطلعا على سير الأمور العملياتية والتدريبية واللوجستية ومستوى الجاهزية.
إذن… كانون الثاني وحده يجيب عن جزء كبير من السؤال…
أوروبا… الاقتصاد… الأمن العام… القيادة العامة… والجيش العربي.
* شهر شباط… القاهرة وأنقرة ولندن وأمن المنطقة:
في 1 شباط… كان الملك في القاهرة… يلتقي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي… ويبحث معه القضية الفلسطينية وتطورات غزة وتعزيز العمل العربي المشترك.
وفي 7 شباط… انتقل إلى إسطنبول… والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان… وبحثا العلاقات الأردنية التركية والتعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني والسياسي.
وفي 15 شباط… توجه إلى لندن… والتقى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
وفي 16 شباط… بحث مع رئيس أركان الدفاع البريطاني التعاون الدفاعي بين البلدين.
وفي 17 شباط… ترأس جولة جديدة من عملية العقبة في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية… وناقش المجتمعون تحديات أمنية حديثة مرتبطة بالطائرات المسيّرة وإدارة المجال الجوي.
فهل كان الملك «غائباً»؟
كان في القاهرة وأنقرة ولندن… وفي اجتماعات تتصل مباشرة بأمن الأردن وعلاقاته السياسية والدفاعية ومصالحه الاقتصادية.
* شهر آذار… عندما يصبح وجود الملك في الداخل مسألة أمن وطني:
في 1 آذار… ترأس الملك اجتماعاً لمجلس الأمن القومي لمناقشة التصعيد الإقليمي وتقييم جاهزية الدولة ومؤسساتها.
وفي 8 آذار… زار القيادة العامة للقوات المسلحة… وتابع جاهزية الجيش والأجهزة الأمنية.
وفي 10 آذار… ترأس اجتماعاً في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات… لمتابعة جاهزية الدولة والتعامل مع انعكاسات التطورات الإقليمية… بما في ذلك الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
ثم في 16 و17 آذار… انتقل إلى الخليج… فكان في الإمارات العربية وقطر والبحرين… والتقى قادة هذه الدول… وبحث معهم أمن الخليج… والتصعيد الإقليمي… والقضية الفلسطينية… والمصالح العربية المشتركة.
ثلاث عواصم خليجية في ظرف إقليمي بالغ الحساسية…
فهل كان ذلك غياباً عن الأردن… أم حضوراً لمصالح الأردن في الخليج؟.
* شهر نيسان… سلاح الجو والدولة والعلاقات الدولية:
في 6 نيسان… زار الملك قيادة سلاح الجو الملكي… واطلع على الجاهزية والقدرات الدفاعية وأنظمة القيادة والسيطرة.
وفي 13 نيسان… تابع سير العمل في خارطة طريق تحديث القطاع العام.
وفي 19 نيسان… استقبل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب… وبحث معه العلاقات الثنائية والتعاون في التعليم والتكنولوجيا والتطورات الإقليمية.
وفي 26 نيسان… استقبل وزير الخارجية الكويتي… وبحث العلاقات الأردنية الكويتية وأمن الخليج والتعاون العربي.
وفي 27 نيسان… أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي ترمب.
مرة أخرى…
جيش… دولة… أوروبا… الخليج… والولايات المتحدة.
* شهر أيار… الزرقاء والحدود والسفراء والاتصالات الدولية:
في 1 أيار… استقبل الملك في العقبة ولي عهد البحرين ورئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة… وبحث معه أمن الخليج والعلاقات الثنائية.
وفي 5 أيار… زار محافظة الزرقاء… واطلع على مشروع المدينة الصناعية الخضراء… ووجه بتسريع التنفيذ وجذب الاستثمارات.
وفي 11 أيار… زار قيادة المنطقة العسكرية الشرقية… واطلع على الجاهزية العملياتية والقدرات الدفاعية وحماية الحدود.
وفي 18 أيار… تقبل الملك أوراق اعتماد سفراء دول شقيقة وصديقة… شملت باكستان وإسبانيا وتايلاند ومالطا… إضافة إلى سفراء غير مقيمين لموريتانيا وتشاد ونيوزيلندا وأرمينيا ومولدوفا.
وفي اليوم ذاته… ودّع الملك بعثة حجاج بيت الله الحرام المخصصة لأسر شهداء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية… في صورة أخرى من صور التواصل المباشر مع أسر الشهداء وتكريم تضحياتهم.
وفي 24 أيار… شارك الملك في اتصال جماعي مع الرئيس الأميركي وقادة الإمارات وقطر والبحرين والسعودية ومصر وتركيا وباكستان… لبحث استدامة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران والتوصل إلى تهدئة شاملة في المنطقة.
وفي 25 أيار… وفي عيد الاستقلال الثمانين… أنعم الملك بأوسمة ملكية على شخصيات ومؤسسات وطنية.
فأين كان الملك في أيار؟
في الزرقاء… وعلى الحدود… مع السفراء… مع أسر الشهداء… مع قادة المنطقة… وفي عيد استقلال الأردن.
* شهر حزيران… الاقتصاد والجيش والنشامى:
في 1 حزيران… زار الملك منطقة غور الصافي… وافتتح وتابع مشاريع استراتيجية لشركتي البوتاس العربية وبرومين الأردن… من بينها مشاريع بلغت كلفة اثنين منها نحو 75 مليون دينار.
وفي 7 حزيران… استقبل رئيس مجلس النواب العراقي… في تأكيد لأهمية العلاقات الأردنية العراقية.
وفي 10 حزيران… رعى احتفال الجيش العربي بالمناسبات الوطنية… في صرح الشهيد.
ثم جاءت واحدة من أكثر محطات العام حضوراً في وجدان الأردنيين…
كأس العالم 2026.
في 23 حزيران… تابع الملك وولي العهد مباراة المنتخب الوطني «النشامى» أمام الجزائر في الولايات المتحدة.
وفي 27 حزيران… التقى الملك عمدة أرلينغتون في ولاية تكساس… وبحث معه الشراكة الأردنية الأميركية.
وفي 28 حزيران… تابع الملك وولي العهد مباراة النشامى أمام الأرجنتين…
ولم تكن متابعة المنتخب مجرد حضور رياضي… فالملك كان قد أنعم في 25 أيار على المنتخب الوطني بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى… تقديراً لتأهله التاريخي إلى كأس العالم 2026.
أي أن الملك كان مع النشامى قبل المونديال… ومعهم في المونديال… وفي مناسبة تاريخية لم يسبق للأردن أن عاشها.
* شهر تموز… الدوحة والإنقاذ الأردني في الخارج:
في 15 تموز… توجه الملك إلى الدوحة لتقديم واجب العزاء إلى أمير دولة قطر بوفاة والده… وعاد إلى الأردن في اليوم نفسه.
وفي 20 تموز… استقبل فريق البحث والإنقاذ الأردني الدولي التابع لمديرية الأمن العام والدفاع المدني… العائد من مهمة إنسانية في فنزويلا… وأشاد بجهوده.
وهنا تظهر صورة أخرى…
الأردن لا يعيش فقط على استقبال المساعدات… بل يرسل أيضاً رجال الإنقاذ الأردنيين إلى خارج الحدود لمساعدة الآخرين…
والملك كان في استقبالهم عند عودتهم.
* شهر آب… الجيش والقدس والكونغرس ومعان والصين:
في 3 آب… زار الملك لواء الملك الحسين بن طلال المدرع الملكي/40… وافتتح مباني جديدة للواء… وتابع الجاهزية القتالية والتدريبية واللوجستية… والتقى رفاق السلاح المتقاعدين.
وفي 4 آب… ترأس اجتماعاً لمتابعة إجراءات الحكومة في تعزيز أمن الطاقة والغذاء والاستعداد للتطورات الإقليمية والعالمية.
وفي 5 آب… استقبل أعضاء اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالتحرك الدولي بشأن القدس… وبحث معهم وقف الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس والمسجد الأقصى.
وفي 11 آب… استقبل وفداً من مساعدي أعضاء الكونغرس الأميركي… وبحث معهم الشراكة الأردنية الأميركية والتطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية والقدس.
وفي 12 آب… زار محافظة معان… والتقى وجهاء وممثلين عن أهلها… وبحث احتياجات المحافظة والخدمات والبنية التحتية.
ثم جاءت الزيارة الصينية…
من 18 إلى 24 آب… كان الملك في الصين في زيارة دولة… التقى خلالها القيادة الصينية… ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني… ورئيس الوزراء الصيني… وعمدة شنغهاي… ورؤساء كبرى الشركات الصينية… ومسؤولي قطاعات الطاقة والمعادن والصناعة والتكنولوجيا والسياحة.
وفي 19 آب… بحث فرص توطيد التعاون السياحي والثقافي مع الصين… كما التقى شركات تكنولوجية وروبوتات وذكاء اصطناعي.
وفي 21 آب… عقد لقاءات مع شركات صينية كبرى في الطاقة والمعادن والأسمدة والأغذية والصناعات المتقدمة.
وفي 24 آب… عقد مباحثات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ… والتقى رئيس الوزراء الصيني… وشهد توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين الأردن والصين.
هذه ليست «رحلة» بالمعنى الذي يحاول البعض اختزاله…
هذه زيارة دولة كاملة الأركان… سياسية واقتصادية واستثمارية وتكنولوجية وسياحية واستراتيجية.
إذن… أين الملك؟
الآن فقط يمكن الإجابة عن السؤال بهدوء…
كان في الأمن العام…
وكان في الجيش العربي…
وكان في القيادة العامة…
وكان في سلاح الجو…
وكان في المنطقة العسكرية الشرقية…
وكان في مركز الأزمات…
وكان في مجلس الأمن القومي…
وكان في الزرقاء ومعان وغور الصافي…
وكان يستقبل السفراء والوزراء والبرلمانيين والوفود الأجنبية…
وكان في الإمارات وقطر والبحرين ومصر وتركيا وبريطانيا والصين والولايات المتحدة…
وكان في سان فرانسيسكو وأرلينغتون مع النشامى…
وكان على خطوط الاتصال مع قادة دول العالم…
وكان يحمل ملف الأردن إلى العواصم التي تُصنع فيها القرارات…
هذه ليست رواية سياسية…
هذه وقائع مؤرخة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن
من حق أي صحيفة أجنبية أن تسأل…
ومن حق أي مواطن أن يسأل…
ومن حق الصحافة أن تراقب وتحلل…
لكن عندما يكون السؤال هو: «أين الملك؟»… فإن الإجابة يجب ألا تكون من منشور على منصة اجتماعية… ولا من صورة عابرة… ولا من استنتاج مبني على غياب مقابلة تلفزيونية…
الإجابة يجب أن تكون من السجل الرسمي للنشاط الملكي.
وإذا أردنا النقد… فلننتقد النتائج…
إذا كان هناك مشروع متأخر… فاسألوا الحكومة لماذا تأخر…
وإذا كانت هناك اتفاقية لم تتحول إلى استثمار… فاسألوا الحكومة والمؤسسات المعنية.
وإذا كان هناك ملف اقتصادي لم يحقق أهدافه… فضعوا الأرقام أمام الناس…
أما تحويل حركة الملك الخارجية إلى دليل على غيابه… فذلك يخلط بين المكان والدور… وبين الجغرافيا والسياسة.
خلاصة القول… هنا كان الملك…
بعد ثمانية أشهر من عام 2026… لا أعتقد أن السؤال الصحيح ما زال:
«أين الملك؟»
فقد أجاب عنه التاريخ… واليوم… والشهر… والمكان… والملف…
كان الملك حيث كان ينبغي أن يكون…
مع جيشه عندما احتاجت الجاهزية إلى متابعة…
ومع أمنه العام عندما احتاج الأمن إلى تطوير…
وفي مركز الأزمات عندما كانت المنطقة تغلي…
وفي المحافظات عندما كانت الأولويات التنموية تحتاج إلى متابعة…
وفي دول الخليج عندما احتاج الأردن إلى حضور عربي فاعل…
وفي واشنطن عندما كانت الملفات الدولية تُبحث…
وفي الصين عندما كانت المصالح الاقتصادية والاستثمارية الأردنية تحتاج إلى فتح أبواب جديدة…
وفي المدرجات عندما كان النشامى يكتبون صفحة تاريخية للأردن.
لذلك…
لا تبحثوا عن الملك في خريطة الطائرة… ابحثوا عنه في خريطة المصالح الأردنية…
لا تقيسوا حضوره بعدد الصور والمقابلات التلفزيونية…
قيسوه بعدد الملفات التي حملها… والقيادات التي التقاها… والمؤسسات التي تابعها… والمصالح التي دافع عنها.
وإذا أراد أحدهم أن يسأل مرة أخرى:
«أين الملك؟»
فالإجابة ببساطة:
هنا… في الأردن عندما يكون الأردن بحاجة إليه… وفي العالم عندما تكون مصلحة الأردن هناك… ومع الجيش عندما يكون الأمن هناك… ومع الدبلوماسية عندما تكون السياسة هناك… ومع النشامى عندما يكون الوطن هناك.
والأهم من كل ذلك…
لا تسألوا فقط: أين كان الملك؟
اسألوا:
ماذا كان يحمل معه عندما ذهب؟… وماذا عاد به إلى الأردن؟
فهناك…
تبدأ الحكاية الحقيقية.. وللحديث بقية.
#د. بشير _الدعجه
