منبر الكلمة

أردن الرسالة وتعظيم مكانة موقع المغطس التاريخي

عمان-الاردن
٢٠٢٦/٥/١٩
القس سامر عازر

في قلب الأرض المباركة، وعلى ضفاف نهر الأردن المقدّسة، يقف المغطس شاهدًا حيًّا على حدثٍ غيّر وجه التاريخ الروحي للبشرية، حيث تعمّد السيد المسيح، فصار المكان منارةً للإيمان، ورمزًا للتجدد الروحي، وعلامةً فارقة في ذاكرة الإنسانية الدينية والحضارية. ومن هنا تنبع الأهمية الكبرى للمبادرات الملكية المتواصلة الرامية إلى تعظيم مكانة هذا الموقع التاريخي الفريد، وصونه كإرثٍ إنساني وروحي عالمي.

لقد أدرك الأردن، بقيادة الملك عبد الله الثاني، أن رسالة هذا الوطن لا تقتصر على حدود الجغرافيا أو السياسة، بل تمتد لتكون رسالة سلامٍ واعتدالٍ وحوارٍ بين الأديان والثقافات والشعوب. فالأردن، منذ تأسيسه، قدّم نموذجًا متقدمًا في العيش المشترك والوئام الديني، حيث تلتقي الكنائس والمساجد تحت سماء وطنٍ واحد، تحكمه المواطنة الجامعة والاحترام المتبادل والقيم الإنسانية المشتركة.

ومن هذا المنطلق، تأتي المبادرة الملكية السامية للتحضير لإحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، باعتبارها مشروعًا وطنيًا وروحيًا وحضاريًا كبيرًا، يحمل في طياته أبعادًا تتجاوز الاحتفال الديني إلى ترسيخ حضور الأردن العالمي كأرضٍ للرسالات ومركزٍ للحج والسياحة الدينية والحوار الحضاري.

إن موقع المغطس لا يمثل للمسيحيين مجرد معلم أثري أو محطة حج، بل هو مساحة لقاء بين الإنسان والله، وبين التاريخ والإيمان، وبين الشرق والعالم. ومن هنا فإن تطوير البنية التحتية والخدمات في هذه المنطقة المباركة، وتعزيز قدرتها على استقبال الحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم، يشكل استثمارًا في رسالة الأردن الإنسانية والثقافية والروحي وحوار الأديان والحضارات.

وقد شكّل افتتاح جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية برعاية ملكية خطوة نوعية في هذا الاتجاه، إذ يجمع المشروع بين البعد الأكاديمي والروحي، ويؤسس لمنارة فكرية تُعنى بالحوار والانفتاح والدراسات اللاهوتية والثقافية، بما يعزز من مكانة المغطس ليس فقط كموقع حج، بل أيضًا كمركز إشعاع علمي وفكري وروحي عالمي.

إن تعظيم مكانة المغطس لا يتحقق فقط عبر المشاريع العمرانية أو السياحية، بل من خلال ترسيخ الرسالة التي يحملها المكان نفسه؛ رسالة التواضع والمحبة والسلام والتجدد الداخلي. فالحج الحقيقي إلى هذه الأرض المقدسة ينبغي أن يقود الإنسان إلى اكتشاف قيم الرحمة والانفتاح وقبول الآخر، وهي القيم التي يعمل الأردن على نشرها والدفاع عنها في زمن تتزايد فيه الانقسامات والتوترات.

كما أن السياحة الدينية في الأردن تمثل فرصة استراتيجية لتعريف العالم بتاريخ هذه الأرض المقدسة وغناها الروحي والإنساني. فالأردن يحتضن مواقع مسيحية وإسلامية ذات أهمية عالمية، من المغطس إلى جبل نيبو ومكاور وتل مار الياس وغيرها من المواقع التي تجعل من المملكة مقصدًا للحجاج والباحثين عن المعنى الروحي والتاريخي.

وفي هذا السياق، تتكامل أدوار الدولة والكنائس والمؤسسات الثقافية والإعلامية والسياحية من أجل تقديم صورة الأردن الحقيقية؛ الأردن الذي يؤمن بأن الحوار لا يُبنى إلا على الفكر والاحترام المتبادل، وأن العيش المشترك ليس شعارًا عابرًا، بل ممارسة يومية متجذرة في وجدان أبنائه.

إن الاحتفال المرتقب بعام 2030 يجب أن يكون مناسبة عالمية لتسليط الضوء على رسالة الأردن الحضارية، وعلى دوره في حماية المقدسات وصون الإرث الديني الإنساني، وتعزيز ثقافة السلام والوئام بين الشعوب. فالأردن لم يكن يومًا مجرد موقع على الخارطة، بل كان وسيبقى أرض الرسالة والقداسة، والأرض التي تلتقي فيها السماء بالأرض، ويجد فيها الإنسان معنى الإيمان الحقيقي وكرامة الإنسان والمحبة الجامعة.

زر الذهاب إلى الأعلى