منبر الكلمة

أذكر يا إنسان أنك تراب وإلى التراب تعود

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٢/١٩
القس سامر عازر

في كل عام، ومع بدء زمن الصوم، تقف الكنيسة في أربعاء الرماد لتهمس في أذن الإنسان همسًا مهيبًا: “أذكر يا إنسان أنك تراب وإلى التراب تعود.”

كلمات تُقال أثناء مسحة الجباه بالرماد، ذاك الرماد الناتج عن حرق أغصان النخيل التي رُفعت يومًا في أحد الشعانين، وفي ذلك تذكير بأن مجد الإنسان عابر وزائل وأنه من تراب وإلى تراب يعود. فالرماد علامة توبة واتضاع، ودعوة للرجوع إلى الله والعيش بشريعة المحبة لا بروح الكبرياء.

لكن لماذا أصبح من الضروري أن تسمع كل نفس بشرية هذه المقولة اليوم أكثر من أي وقت مضى؟
لأن الإنسان، حين ينسى أنه تراب وأنه مجده زائل، يتوهّم أنه إله. وحين ينسى محدوديته، يتجاوز حدوده. وحين يتجاهل هشاشته، يتجبر على أخيه الإنسان وعلى الخليقة.

هذه العبارة “أذكر يا إنسان انك تراب وإلى الترب تعود” ليست دعوة إلى اليأس، بل إلى التواضع وإلى التوبة. ليست إهانة للكرامة الإنسانية، بل تصويب مسارها لأن الإنسان فقد بوصلته. فالتراب الذي خُلق منه الإنسان هو ذاتُه الذي نفخَ الله فيه نسمةَ حياة، فصار كائنًا حيًا مكرمًا. بين التراب والنفخة الإلهية تقوم معادلة الإنسان: ضعفٌ في المادة، وعظمةٌ في الدعوة. قال القديس أوغسطينوس: “خلقتنا لك يا الله، وقلوبنا لن تهدأ حتى تستريح فيك.” فالإنسان الذي ينسى أصلَه ومآله يفقد بوصلة قلبه. وحين تضيع البوصلة، يضيع الاتجاه.
إن تذكّرنا أننا تراب يضعنا أمام ثلاث مسؤوليات كبرى:

أولًا: تجاه الخالق
لا يحق للإنسان أن يتعالى على خالقه أو أن يتجاهل نواميسه. فالله الذي وضع للكون قوانينه، وضع للإنسان أيضًا شريعة المحبة: محبة الله ومحبة القريب. وكل خروج عن هذه الشريعة هو خروج عن إنسانيتنا قبل أن يكون خروجًا عن الإيمان.

ثانيًا: تجاه أخيه الإنسان
حين يدرك الإنسان أنه تراب، يدرك أن الآخر تراب مثله. فلا فضل لجنس على آخر، ولا لعرق على عرق، ولا لقوة على ضعف. الكل متساوون في الأصل والمصير. عندها فقط تتأسس العدالة الحقيقية، لا على المصالح بل على الكرامة المشتركة. قال مارتن لوثر كينغ الذي قاد الحركة السلمية لإنهاء التمييز العنصري ضد الأمريكيين من أصل أفريقي: “الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان.” وحين ننسى هذه الحقيقة، يتحول العالم إلى ساحة صراع بدل أن يكون بيتًا مشتركًا.

ثالثًا: تجاه الخليقة
التراب الذي نعود إليه هو ذاته الذي نمشي عليه ونزرعه ونستثمر خيراته. فكيف يحق لنا أن نفسدَه أو ننهبه أو نستنزفه؟ إن أزمة البيئة اليوم ليست أزمة مناخ فحسب، بل أزمة ضمير.

لقد ابتعد العالم، في سياساته الاقتصادية والسياسية، عن أخلاقيات السياسة وأخلاقيات الاقتصاد. فازداد الفقير فقرًا، واستشرى الاستغلال والفساد، وتآكلت مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تحت ضغط المصالح والتحالفات. صار الربح معيارًا للنجاح، ولو كان على حساب الإنسان. وصارت القوة مبررًا للهيمنة، ولو على حساب العدالة. قال المهاتما غاندي: “الأرض توفر ما يكفي لحاجات الجميع، لكنها لا توفر ما يكفي لجشع الجميع.” حين يتحول الجشع إلى نظام، يفقد العالم إنسانيته. وحين تُفرغ السياسة من بعدها الأخلاقي، تتحول إلى إدارة باردة للمصالح لا إلى خدمة للصالح العام. هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يستعيد عالمُنا إنسانيته المفقودة؟

الجواب يبدأ من الداخل، من اعتراف الإنسان بحقيقته: أنه تراب منفوخ فيه روح إلهية. لا خلاص للعالم من دون توبة الضمير، ولا إصلاح للأنظمة من دون إصلاح القلوب. والسؤال هل تحمل المؤسسة الدينية صوتها النبوي على محمل الجد؟

الصوت النبوي ليس تكرارًا لطقوس، بل جرأة في الحق. ليس مجاملة للسلطة، بل شهادة للحقيقة. هو دعوة دائمة إلى العدالة والرحمة والتواضع. فإذا فقدت المؤسسة الدينية هذا الصوت، فقدت رسالتها.

إن عبارة “أذكر يا إنسان أنك تراب” ليست جملة طقسية عابرة، بل إعلان ثوري ضد الغرور البشري. هي إعادة الإنسان إلى حجمه الحقيقي، كي يستعيد مكانته الحقيقية. فمن يعرف أنه تراب، يتواضع. ومن يتواضع، يُرفع. ومن يعود إلى الله، يعود إلى إنسانيته.
لعل العالم اليوم بحاجة إلى رمادٍ على جبينه، لا ليُذلّ، بل ليتذكّر. يتذكّر أن العظمة ليست في التسلّط، بل في الخدمة. وليست في التراكم، بل في العطاء.
وليست في الهيمنة، بل في المحبة.

أذكر يا إنسان أنك تراب وإلى التراب تعود..
لكن تذكّر أيضًا أنك مدعو لأن يكون هذا التراب نورًا، حين يسكنه الله وتنهض فيه شريعة المحبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى