منبر الكلمة

عمر الصقّار… صوتٌ يأخذنا إلى الوطن ودجلة والفرات

 

عدنان نصّار

في زمنٍ تتشابه فيه الأصوات، ويزدحم المشهد الفني بإيقاعاتٍ عابرة تُولد سريعًا وتمضي أسرع، يبقى لبعض الفنانين أثرٌ يشبه البقاء… لا لأنهم يغنّون فقط، بل لأنهم يُتقنون ملامسة الروح. ومن بين هؤلاء، يبرز الفنان الأردني عمر الصقّار بوصفه حالةً فنيةً خاصة، استطاعت أن تصنع لنفسها مكانًا في الوجدان الشعبي، وأن تبقى قريبةً من الناس دون تكلّف أو ضجيج.
ليس من السهل أن ينجح مطربٌ في الجمع بين الأغنية الوطنية والشعبية دون أن يفقد صدقه أو خصوصيته الفنية، لكن عمر الصقّار فعل ذلك ببساطة الفنان الحقيقي؛ ذاك الذي يغنّي من القلب، فيصل إلى القلب مباشرة. ففي أغانيه الوطنية، لا تشعر أنك أمام كلماتٍ محفوظة أو لحنٍ عابر، بل أمام حالة وجدانية تُوقظ الانتماء، وتستحضر صورة الوطن بكل ما فيه من تعبٍ وكبرياء وأمل.
حين يشدو للوطن، يبدو الصوت كأنه يعرف الطريق إلى ذاكرة الناس… إلى البيوت القديمة، إلى شجر الزيتون، إلى وجوه الآباء الذين أحبّوا الأردن بصمت، وإلى الأمهات اللواتي كنّ يخبزن الحنين مع الدعاء. هناك شيءٌ في صوته يُشبه دفءَ البيوت في الشتاء، ويُشبه الأمان الذي نفتقده حين يضيق العالم.
ولأنّ الفنّ الحقيقي لا يعترف بالحدود الجغرافية، فإنّ لصوت عمر الصقّار قدرةً نادرة على استدعاء الأمكنة البعيدة من أعماق الذاكرة. فحين يغنّي، أشعر أحيانًا أنّ شيئًا قديمًا يستيقظ في الروح؛ كأنّ صوته يعيدني إلى دجلة والفرات، إلى ضفاف الأعظمية ونخيل بغداد الذي ظلّ واقفًا رغم التعب. هناك نبرةٌ خفيّة في خامته الصوتية تُشبه حنين المدن العتيقة، وتأخذ المستمع إلى مقاهٍ قديمة، ووجوهٍ لا تغيب، وأغانٍ كانت تُسمع على مهلٍ في مساءاتٍ عربية أكثر دفئًا. إنه صوتٌ لا يكتفي بإثارة المشاعر، بل يُوقظ الذاكرة أيضًا، ويجعل الحنين يمشي بهدوءٍ في القلب.
أما في الأغنية الشعبية، فإن عمر الصقّار لا يقدّم مجرد لونٍ غنائي، بل يقدّم روح المكان؛ لهجة الناس، أفراحهم، وجعهم الخفيف، وحكاياتهم اليومية التي تتسلّل إلى القلب دون استئذان. أغنياته لا تُسمَع فقط، بل تُعاش؛ كأنها مقاطع من ذاكرة جماعية يعرفها الجميع حتى لو لم يعيشوها كاملة.
ولعلّ أكثر ما يميّز خامة صوته أنها تحمل ذلك المزيج النادر بين القوة والحنين؛ دفءٌ داخلي يأخذ المستمع إلى ضفاف النهر والصحراء معًا… إلى اتساع البادية وهدوء الماء، إلى المسافة التي يلتقي فيها الشجن بالطمأنينة. إنه صوتٌ حين يعلو لا يصرخ، وحين يحزن لا ينكسر، بل يبقى وفيًّا لذاكرة الطرب الشعبي الأصيل.
وربما لأنّ بعض الأصوات الجميلة لا تنال دائمًا ما تستحقّه من حضورٍ إعلامي يوازي موهبتها، يبقى في المشهد الفني كثيرٌ من الأسماء التي لم تأخذ فرصتها الحقيقية كاملة، رغم ما تملكه من صدقٍ وإحساس. وعمر الصقّار، في تقديري، واحدٌ من تلك الأصوات التي تستحق مساحةً أوسع من الضوء؛ لا مجاملةً، بل إنصافًا لموهبةٍ ظلّت وفيةً لصوت الناس وإيقاع المكان.
ومن هنا، أرى – من باب الواجب المهني والأخلاقي – أن يُقال ما يستحق أن يُقال بحق هذا الفنان؛ إنصافًا لصوته، ولأدائه الذي يحمل بصمةً خاصة، ولدفءِ المشاعر التي يقدّمها بصدقٍ لا يبدو مُصطنعًا. ففي زمنٍ أصبح فيه الحضور يُصنع أحيانًا بالضجيج، يبقى الأثر الحقيقي للفنان فيما يتركه من إحساسٍ صادقٍ في وجدان الناس.
الفن الحقيقي ليس عدد المشاهدات، ولا ضجيج المنصات الرقمية، بل القدرة على البقاء في ذاكرة الناس، وعلى أن يصبح الفنان جزءًا من تفاصيلهم الصغيرة. ولعلّ هذا ما يجعل صوت عمر الصقّار باقياً… لأنه لا يُغنّي كي يُسمَع فقط، بل كي يُشعَر به؛ يغنّي للوطن والناس، ومنهم وإليهم.

زر الذهاب إلى الأعلى