نقابة الصحفيين… حين يتجاوز النظام الدستور

د. خلدون نصير
الناشر والمدير العام
في دولةٍ تُفاخر بترسيخ مبدأ سيادة القانون، لا يمكن لأي مؤسسة – مهما كان موقعها – أن تضع نفسها فوق الدستور أو أن تُنشئ التزامات مالية بقرار داخلي. ومع ذلك، جاءت نقابة الصحفيين الأردنيين بتعديل نظامها الداخلي لعام 2018 لتفرض على المواقع الإخبارية الإلكترونية رسماً مقداره ألف دينار سنويًا، متجاوزة بذلك حدود التفويض القانوني ومبدأ المشروعية الدستورية.
الدستور الأردني واضح لا يحتمل التأويل، إذ نصّت المادة 111 منه على أنه “لا تُفرض ضريبة أو رسم إلا بقانون”، ومعنى ذلك أن أي رسم أو التزام مالي يجب أن يصدر بقانون عن مجلس الأمة، لا بقرار تنظيمي من نقابة أو وزارة. فالنظام الداخلي ليس قانونًا، ولا يملك قوة الإلزام إلا في حدود تنظيم المهنة لأعضائها، لا لفرض أعباء مالية على مؤسساتٍ مستقلة لم تخضع لعضوية النقابة أصلًا.
الخلل الدستوري لا يتوقف هنا، إذ إن النظام المعدّل لعام 2018 صدر بعد انقضاء المهلة الدستورية المحددة في المادة 128/2 من دستور 2011، التي ألزمت المشرّع بتعديل الأنظمة خلال ثلاث سنوات من نفاذ الدستور. أي أن التعديل صدر بعد انتهاء تلك المدة، ما يجعله من الناحية الشكلية مخالفًا للدستور الذي كان نافذًا آنذاك.
إن خطورة هذه المخالفة لا تنحصر في المبلغ أو في المواقع المتضررة، بل تمتد إلى جوهر احترام الدستور ذاته. فحين تتساهل المؤسسات في تطبيق النصوص الدستورية، تتآكل الثقة بمنظومة العدالة، ويُفتح الباب أمام فوضى تشريعية تمسّ جميع القطاعات.
إننا لا نناصب أحدًا العداء، ولا نسعى إلى مواجهة مع النقابة التي نُقدّر تاريخها ودورها المهني، لكن من واجبنا أن نُذكّر أن الدستور هو السقف الأعلى للجميع، وأن احترامه لا يُعدّ خيارًا بل التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا.
إن الدعوة اليوم موجّهة إلى مجلس نقابة الصحفيين الأردنيين بأن يتعامل مع هذا الملف بمسؤولية وطنية، عبر وقف ملاحقة المواقع الإلكترونية والقضايا القائمة مؤقتًا، وتعليق تطبيق الرسم حتى اجتماع الهيئة العامة في نيسان القادم، ومراجعة النصوص بما ينسجم مع أحكام الدستور وروحه.
فالقانون لا يُحترم بالكلام عنه، بل بتطبيقه على الجميع دون استثناء. والدستور ليس ورقة تُقرأ عند الحاجة، بل هو المرجعية التي تحمي الوطن من مزاجية السلطة وتغوّل القرارات.



