حين تُرسم خرائط النار… هل العرب شركاء أم متفرجون؟

عدنان نصّار
في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، لا تُسمع أولًا أصوات المدافع، بل يُسمع صرير الخرائط وهي تُعاد صياغتها على طاولات الكبار. الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل فصلٌ جديد في كتاب طويل عنوانه: من يملك قرار الشرق الأوسط؟
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا لا يتعلق بطهران ولا بواشنطن ولا بتل أبيب… بل يتعلق بالعواصم العربية.
أين يقف العرب؟ وهل ما زالوا جزءًا من معادلة التأثير، أم أصبحوا هامشًا يُستشار شكليًا ويُستبعد فعليًا؟
بين الاصطفاف والحذر .
الموقف العربي اليوم يبدو أقرب إلى إدارة المخاطر منه إلى صناعة القرار. هناك من يخشى التورط في حرب قد تمتد نيرانها إلى الداخل، وهناك من يرى في الحياد سياسة النجاة، وهناك من يفضّل التموضع خلف التحالفات الدولية حفاظًا على التوازنات الأمنية والاقتصادية.
غير أن الحياد في حروب كبرى كهذه ليس دائمًا خيارًا حرًا، بل قد يكون نتيجة عجز عن بلورة موقف موحّد. فالعرب، الذين تجمعهم الجغرافيا ويُفرّقهم الحساب السياسي، يقفون أمام اختبار حقيقي: هل يمكن أن يتحول القلق المشترك إلى موقف مشترك؟
-الخطر ليس عسكريًا فقط
الحرب، إن اتسعت، لن تكون مجرد صواريخ عابرة للسماء، بل ارتدادات اقتصادية تضرب أسواق الطاقة، وتوترات أمنية تُعيد رسم أولويات الإنفاق، وضغوطًا سياسية تُحرج الحكومات أمام شعوبها.
الشارع العربي، المثقل أصلًا بأعباء معيشية واقتصادية، لا ينظر إلى هذه الحرب من زاوية الاصطفاف الأيديولوجي، بل من زاوية الاستقرار والأمان والخبز اليومي. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف تحافظ الحكومات على توازنها الخارجي دون أن تخسر تماسكها الداخلي؟
-الوساطة الغائبة… أم الفرصة المؤجلة؟
تاريخيًا، لعبت بعض العواصم العربية أدوار وساطة في نزاعات إقليمية ودولية. لكن في هذه الحرب، يبدو الصوت العربي أقل حضورًا في مشهد الوساطة الفاعلة. هل السبب انقسام داخلي؟ أم أن موازين القوى الدولية لم تعد تترك هامشًا واسعًا للمبادرات الإقليمية؟
وربما السؤال الأعمق: هل ننتظر نهاية الحرب لنقرأ نتائجها، أم نسعى إلى التأثير في مسارها قبل أن تُغلق الأبواب؟
-شركاء في الجغرافيا… لا بد أن نكون شركاء في القرار
المنطقة ليست مسرحًا لحروب الآخرين فقط. هي بيت العرب، وحدودهم، وأمنهم، ومستقبل أجيالهم. وإذا كانت خرائط النار تُرسم اليوم خارج العواصم العربية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تُفرض نتائجها لاحقًا على تلك العواصم كأمر واقع.
المطلوب ليس اندفاعًا عاطفيًا، ولا خطابًا تصعيديًا، بل رؤية عربية واضحة:
رؤية تحمي السيادة، وتوازن العلاقات الدولية، وتُبقي باب الدبلوماسية مفتوحًا، وتضع المصلحة العربية فوق حسابات اللحظة.
ففي زمن الحروب الكبرى، لا يكفي أن نكون شهودًا على التاريخ…
إما أن نكون شركاء في صناعته، أو متلقّين لنتائجه.



