
بطريقة لا تصدق.. انتحر مهندس شيد معالم تاريخية بروما
اَفاق نيوز – أواخر القرن السادس عشر، عاشت القارة الأوروبية على وقع ظهور التيار الفني الباروكي (Baroque) الذي سعى بالأساس نحو الإبهار والتأثير العاطفي ليختلف بشكل هام عن أسلوب عصر النهضة.
فبينما فضّل الأخير التوازن والانسجام، اعتمد الفن الباروكي على الحركة والتناقضات والزخارف الغنية، وفي الأثناء، أثر الفن الباروكي على ميادين عديدة مثل الرسم والأدب وفن العمارة.
وقد ظهر التيار الفني الباروكي بإيطاليا وتجذّر بها قبل أن ينتشر نحو بقية الدول الأوروبية. ومن بين أبرز رواد هذا التيار يذكر التاريخ كارافاغيو (Caravaggio) وأرتيميسا جنتلسكي (Artemisia Gentileschi) وبياترو دا كورتونا (Pietro da Cortona). وبقائمة رواد الفترة الباروكية الطويلة، يبرز اسم المعماري الشهير فرانسيسكو بوروميني (Francesco Borromini). فبعد نجاحات مذهلة بروما، وضع الأخير حداً لحياته بشكل تراجيدي.
تكوين بوروميني
منذ طفولته، أبدى المهندس المعماري الإيطالي فرانسيسكو بوروميني، المولود يوم 25 سبتمبر (أيلول) 1599 ببيسوني (Bissone) بالكانتونات السويسرية القديمة المملوكة للدويلات الإيطالية، إعجابا كبيرا بفنون العمارة التابعة لميكيلانجيلو (Michelangelo) وآثار العمارة بالعصور القديمة.
وبفضل ذلك، جاء الأخير بأسلوب بناء معماري فريد من نوعه وضع به توظيفا متقنا للفنون المعمارية الكلاسيكية والأسس المعمارية المنطقية والمعاني الرمزية.
خلال فترة شبابه، تنقل بوروميني نحو ميلانو حيث تدرب بشكل أكبر على نحت الحجارة والحرف اليدوية وشارك بأشغال ترميم وصيانة بكاتدرائية ميلانو التاريخية. وعام 1619، حل هذا الشاب البالغ من العمر 20 سنة بروما. وبهذه المدينة، ضرب بوروميني موعدا مع التاريخ بفضل جملة من الأعمال المعمارية الفريدة من نوعها التي جعلته وجها رائدا بالفن المعماري الباروكي.
صعود بوروميني
بروما، عمل بوروميني بمشاريع الترميم والبناء بكاتدرائية القديس بطرس. ومن هنالك، برز هذا الشاب بعد أن لاحظ المعماري كارلو ماديرنو (Carlo Maderno) موهبته. وبفضل ذلك، حصل بوروميني على أعمال إضافية بقصر باربيريني (Barberini) الذي ساهم بشكل كبير في تصميمه رفقة كل من ماديرنو وجيان لورينزو برنيني (Gian Lorenzo Bernini). ومع وفاة ماديرنو عام 1629، عمل بوروميني تحت أوامر برنيني الذي كان محبذا بشكل كبير من قبل البابا أوربان الثامن (Urban VIII).
بحلول العام 1634، حصل بوروميني على أول اختبار حقيقي حيث أوكلت له، بشكل فردي، مهمة تصميم كنيسة سان كارلو ألي كواترو فونتان (San Carlo alle Quattro Fontane) بروما.
ومع انتهاء الأشغال، أبهرت هذه الكنيسة سكان روما حيث ضمت حينها جدراناً مقعرة ومنحنية ومحدبة وأشكالا هندسية غير عادية إضافة لتصميم بيضاوي الشكل وتصميم داخلي ديناميكي وقبة فريدة من نوعها ضمت زخارف لم يعتد الأهالي على رؤيتها.
بالفترة التالية، واصل بوروميني تقديم مزيد من الأعمال المعمارية حيث شارك في إعادة تصميم مبنى أوراتوريو دي فيليبيني (Oratorio dei Filippini) ووضع تصاميم كنيسة سانت إيفو ألا سابينزا (Sant’Ivo alla Sapienza).
مع حصول إينوسنت العاشر (Innocent X) على لقب البابا عام 1644، نال بوروميني دفعة غير مسبوقة لمسيرته حيث فضل البابا الجديد القطع مع سياسة تبجيل المهندس المعماري جيان لورينزو برنيني واتجه بدلا من ذلك لمنح بوروميني مكانة أكبر. وبفضل ذلك، حصل بوروميني على شرف إعادة تصميم وتهيئة العديد من الكنائس والمعالم بروما خاصة كاتدرائية القديس يوحنا اللطراني كما نال العديد من الأوسمة المرموقة بالدولة البابوية.
انتحار غريب
مع وفاة إينوسنت السابع عام 1655 وتولي ألكسندر السابع (Alexander VII) لمنصب البابا، فقد بوروميني نسبة كبيرة من الدعم البابوي حيث فضل البابا الجديد التوجه نحو إعادة تبجيل المهندس المعماري جيان لورينزو برنيني. وعلى الرغم من تواصل حصوله على الدعم المخصص لمواصلة أعماله، انزعج بوروميني بشكل كبير بسبب المنافسة والعداوة التي ربطته بجيان لورينزو برنيني.
خلال السنوات التالية، واجه بوروميني مشاكل نفسية عديدة حيث عانى من الاكتئاب والعزلة ودخل بمناوشات عديدة مع عدد كبير من المسؤولين والأثرياء الذين عرضوا عليه أعمالا جديدة.
خلال الفترة الأخيرة من حياته، ازدادت حالة بوروميني سوءاً بسبب معاناته من الحمى وقلة النوم. وليلة يوم 2 أغسطس (آب) 1667، قرر الأخير وضع حد لحياته فعمد لسحب سيفه وتثبيت مقبضه نحو السرير قبل أن يقوم بإلقاء نفسه على السيف.
وبسبب قوة الضربة، اخترق السيف جسده وخرج من الجزء الآخر، وصباح اليوم التالي، اكتشفت جثته العالقة بالسيف على السرير.
وقبل وفاته، كتب بوروميني وصيته الأخيرة التي عدد بها أعماله وإسهاماته بتشييد العديد من معالم روما ورسم ملامحها كما تمنى أن يرقد بسلام وحث في الآن ذاته على أن تدفن جثته قرب جثة معلمه كارلو ماديرنو.
