موزاييك

سحوم المومني: صوت صدقٍ وأصالة في الإذاعة الأردنية

في زمن المذياع، حيث كانت الكلمة تُصاغ بعناية، والنغمة تُحسب بالثانية، برز صوتٌ دافئٌ، صادقٌ، يحمل في نبرته وقارًا وفي أدائه صدقًا. إنه سحوم المومني، أحد أعمدة الإذاعة الأردنية في حقبة ما قبل البث الفضائي، وصاحب البصمة المهنية والإنسانية التي لا تزال حاضرة رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيله.

ولد سحوم المومني في محافظة عجلون شمال الأردن عام 1943  ، التحق بالإذاعة الأردنية عام 1965، بعد أن تميز بصوته الرخيم وإجادته الفصحى، وحضوره الإذاعي المتزن.

كانت بداياته متواضعة، بدأ كمساعد مذيع ثم قارئ لنشرات الأخبار، ثم صعد بثبات خلال نفس العام ليصبح أحد أبرز الأسماء في قسم المذيعين بالإذاعة الأردنية الرسمية.

تميّز سحوم بصوت دافئٍ، رخيم، يميل إلى الحزن أحيانًا، لكنه لا يخلو من الحزم والهيبة. كان حضوره مميزًا على أثير إذاعة “هنا عمان”، وكان يتعامل مع الميكروفون كأنه مخاطبة شخصية لكل مستمع.

قدّم نشرات الأخبار باحتراف عالٍ، وكان من القلائل الذين يُعتمد عليهم في قراءة نشرات الساعة الثامنة مساءً، وهي النشرة الرسمية الأهم في الأردن حينذاك. وقد أشاد به زملاؤه بأنه لم يكن مجرد قارئ، بل كان مؤديًا يتفاعل مع النص، ويمنحه روحًا ومعنى.

من أبرز البرامج التي قدمها برنامج “الشرطة في خدمة الشعب” وهو برنامج إذاعي توعوي من إعداد مديرية الأمن العام، وقدمه سحوم بأسلوب تفاعلي مميز، يسلّط فيه الضوء على جهود رجال الأمن ومشاكل المواطنين، ويعزز العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. نال البرنامج شهرة واسعة، وأصبح واحدًا من أهم البرامج التوعوية في الإذاعة الأردنية.

كما شغل منصب رئيس قسم المذيعين في الإذاعة الأردنية لفترة، وكان له دور في تدريب وتأهيل عدد من المذيعين الشباب، ممن أصبحوا لاحقًا من رموز الإعلام الأردني.

كان سحوم المومني مثالًا للتواضع، وحسن الخُلق، والاحترام. وصفه الإعلامي الراحل محمود سليم أبو عبيد بـ”الجميل الغائب الحاضر”، وقال عنه:

“كان يضع تحت وسادة (هنا عمان) الحلوى، ويطمئن عليها كل ليلة، كأنها ابنته المدللة.”

أما الإعلامي الراحل عصام العمري، فوصفه بأنه:

“صاحب صوت متفرّد، ولغة عربية مرنة، قلّ نظيرها، وإنسان بسيط متواضع محب للجميع. لا يكره ولا يُكره.”

زملاؤه أجمعوا على أنه كان نزيهًا، شفافًا، لا يحمل في قلبه حقدًا على أحد، وكان يسعى دومًا لراحة الآخرين، حتى على حساب نفسه.

في حزيران من عام 1992، رحل سحوم المومني عن الدنيا في ريعان عطائه الإعلامي. شكل خبر وفاته صدمة لزملائه والمستمعين، إذ لم يكن يعاني من مرض معروف، وكان حضوره لا يوحي بقرب الغياب.

نعته الإذاعة الأردنية في نشراتها، وشارك في جنازته عدد من كبار الإعلاميين والمهنيين، واعتُبر رحيله خسارة وطنية وإعلامية.

رغم عدم ظهور اسمه في وسائل الإعلام الحديثة كثيرًا، إلا أن جيل السبعينات والثمانينات لا يزال يذكر صوته وهدوءَه وتمكنه من لغته. لم يكن يبحث عن أضواء الشهرة، بل اكتفى بأن يكون صوتًا يخدم الناس والوطن من خلف الميكروفون.

رحل سحوم المومني، لكن بقيت سيرته ناصعة، تروى في كواليس الإذاعة، وتُذكر كنموذج للوفاء والاتزان والموهبة الخالصة.

“لم يكن صوته مجرد نبرة… بل كان ضوءًا يشعل ظلام الغربة… وكان صديقًا لا نراه لكنه معنا.”

عماد الشبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى