جلسة الدقائق… عندما تختصر رئاسة مجلس النواب إرادة المجلس

د. خلدون نصير / المدير المسؤول
لم يكن ما جرى تحت قبة مجلس النواب خلال مناقشة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه بصمت.
فالمشهد الذي تابعته القاعة، وما أعقبه من استياء واضح بين عدد من النواب، أعاد طرح سؤال كبير يتردد منذ سنوات في الشارع الأردني:
هل ما زال المجلس يمارس دوره الحقيقي في الرقابة والتشريع، أم تحوّل إلى محطة عبور سريعة للقوانين الحكومية؟
القانون الذي كان مطروحًا للنقاش ليس قانونًا عاديًانحن نتحدث عن قانون الضمان الاجتماعي، التشريع الذي يمس حياة ملايين الأردنيين ومستقبل تقاعدهم وأمنهم الاجتماعي واستقرار صندوق الضمان ذاته.
ومن هنا كان المتوقع أن تشهد الجلسة نقاشًا عميقًا وهادئًا، وأن تُعطى الفرصة الكاملة لكل نائب لإبداء رأيه، وأن تُدار الجلسة بما يليق بحجم القضية المطروحة.
لكن ما حدث داخل القبة أعطى انطباعًا مختلفًا تمامًا.
فبحسب ما رصده عدد من النواب الحاضرين، فقد جرى الانتقال بسرعة إلى طرح السؤال حول موقف المجلس من القانون، دون أن يتضح بشكل كامل حجم التأييد أو الرفض داخل القاعة، ودون أن يُمنح النقاش الوقت الكافي.
ثم جاءت اللحظة التي أثارت الاستغراب: نظرة سريعة داخل القاعة، إعلان الموافقة على تحويل القانون إلى لجنة العمل، ثم رفع الجلسة.
هكذا ببساطة.
المسألة هنا ليست مجرد إجراء برلماني تقني، بل تتعلق بجوهر العمل التشريعي نفسه، فالبرلمان ليس مؤسسة شكلية تُدار جلساته على عجل، ولا منصة لرفع الأيدي بسرعة ثم الانتقال إلى بند آخر.
البرلمان هو المكان الذي يفترض أن تُناقش فيه القوانين التي تمس حياة الناس بكل جدية، وأن يُسمع فيه كل صوت نيابي قبل اتخاذ القرار.
وعندما يتعلق الأمر بقانون الضمان الاجتماعي تحديدًا، فإن الحساسية تكون مضاعفة، فهذا القانون ليس مجرد تعديل إداري، بل ملف يمس الأمن الاجتماعي لملايين المواطنين، ويؤثر على مستقبل التقاعد والضمانات الاجتماعية للعاملين في الأردن.
ولهذا السبب تحديدًا كان من الطبيعي أن يتوقع الرأي العام نقاشًا واسعًا ومطولًا، لا جلسة سريعة تُختصر فيها المسألة خلال دقائق.
الأمر اللافت أن حالة من الاستياء ظهرت بين عدد من النواب بعد الجلسة، إذ عبّر بعضهم عن أن ما جرى لم يكن إدارة موفقة للنقاش، وأن الطريقة التي أُديرت بها الجلسة لا تعكس تقاليد العمل البرلماني الرصين الذي يفترض أن يميز مجلس النواب.
وهنا يبرز سؤال أكبر من مجرد قانون أو جلسة:
كيف تُدار جلسات المجلس عندما تكون القوانين المطروحة شديدة الحساسية؟
في البرلمانات الحقيقية، تُقاس كفاءة رئاسة المجلس بقدرتها على حماية النقاش لا اختصاره، وعلى إدارة الحوار بين النواب لا اختزال المواقف بنظرة سريعة داخل القاعة.
فالمجلس النيابي ليس مؤسسة تنفيذية تتخذ القرار ثم تمضي، بل هو سلطة مستقلة يفترض أن تعكس تنوع الآراء داخل المجتمع.
وعندما يشعر بعض النواب أن الجلسة تسير بسرعة غير مفهومة، وأن النقاش لا يأخذ مداه الطبيعي، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها:
هل كان القرار معروفًا مسبقًا؟
هل كان المطلوب فقط المرور السريع عبر الجلسة؟
ولماذا بدا المشهد وكأن المسار التشريعي محسوم سلفًا؟
هذه الأسئلة لا تطرح من باب الإثارة السياسية، بل من باب الحرص على مكانة المؤسسة التشريعية نفسها، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي برلمان هو أن تتآكل الثقة العامة بدوره.
القضية اليوم لم تعد فقط قانون الضمان الاجتماعي، القضية أصبحت أوسع من ذلك بكثير، إنها تتعلق بالصورة التي يظهر بها المجلس أمام المواطنين.
فالمواطن الذي يتابع ما يجري من الخارج يرى جلسة قصيرة، نقاشًا محدودًا، قرارًا سريعًا، ثم رفعًا للجلسة، وعندها يطرح السؤال البسيط الذي يتردد في الشارع: من يدير المشهد فعليًا؟
المجلس النيابي وُجد ليكون سلطة رقابية وتشريعية مستقلة، لا مجرد محطة عبور للقوانين الحكومية، وإذا شعر النواب أو المواطنون بأن النقاش يُختصر، وأن القوانين تمر بسرعة تفوق سرعة النقاش، فإن الضرر لا يصيب قانونًا بعينه، بل يصيب الثقة العامة بالمؤسسة التشريعية نفسها.
ولهذا فإن ما جرى في الجلسة الأخيرة يستدعي مراجعة جادة، فالمجلس الذي يمثل الشعب لا يمكن أن يبدو وكأنه يعمل وفق إيقاع الحكومة، ولا أن تُدار جلساته بطريقة تعطي الانطباع بأن القرارات تُحسم قبل أن يبدأ النقاش.
إن إعادة الاعتبار للنقاش البرلماني ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة للحفاظ على مكانة المجلس وثقة الناس به.
فالقوانين التي تمس حياة المواطنين يجب أن تُناقش بوضوح وشفافية، وأن يشعر كل نائب بأن صوته مسموع، وأن يشعر المواطن بأن المجلس يمثل إرادته بالفعل.
في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا يمكن القفز فوقها:
مجلس النواب ليس منصة لرفع الأيدي، بل مؤسسة يفترض أن يُسمع فيها صوت الناس.
وإذا استمرت الجلسات تُدار بسرعة تختصر النقاش بدل أن تحميه، فإن السؤال سيبقى حاضرًا في الشارع الأردني:
هل نحن أمام برلمان يراقب الحكومة…
أم أمام برلمان تديره الحكومة؟



