
يوم الحزن
بقلم محمد النابلسي
في زحمة الأخبار المتسارعة، وفي خضم منافستي الصحفية الشريفة للوصول إلى صورة واضحة تكتمل بها تفاصيل الخبر، كنت أتنقل ببصري بين الوجوه، أقرأ ملامحها وأحاول فهم ما تخفيه.
رأيت الحرص والحزم في وجوه رجال الأمن، والغضب في وجوه المواطنين، واللهفة في عيون الكوادر الطبية، ووجوهًا متجمدة لدى الوجهاء وكبار السن، ورأيت الغضب والحرقة في وجه جلالة الملك عبدالله الثاني، غضبًا لم أقرأ فيه إلا وجع وطن وحرص قائد على أهله.
كانت الأصوات تتداخل والروايات تتزاحم، وكلٌّ يروي ما سمع أو ما ظن أنه عرف، حتى استحضرت قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.
وسط ذلك الضجيج، اخترق سمعي صوت رجل ينادي: «يا إخوان، المستشفى بحاجة دم… O سالب… O سالب!». كرر نداءه مرارًا، ثم انهار بالبكاء.
كنت أحاول ترتيب أفكاري وفصل مشاعري عن واجبي المهني، سعيًا إلى الحياد والدقة في نقل الخبر، لكنني وجدت نفسي أمام مشهد لم تُسعفني خبرتي في قراءته.
تلك العيون المسيحية…
لم تكن مجرد عيون فقدت أحبتها، ولا عيونًا غاضبة أو متعطشة للثأر. كان فيها شيء أعمق من الحزن وأقسى من الغضب.
كانت عيونًا ألفت الأمن والأمان، واطمأنت إلى حسن الجيرة والجوار، واعتادت أن تتقاسم معنا الخبز والماء والفرح والعزاء. عيونًا لم تعرف يومًا أنها غريبة بيننا، لأن الغربة لم تكن يومًا جزءًا من حكايتنا.
كانت عيونًا تحكي خذلانًا من هول الصدمة، لا من أهلها وجيرانها، بل من بشاعة ما حدث على أرض عشقتها ، ونعشقها معها، الارض العصية على هذا الجنون.
وهنا شعرت بغصة في عملي.
كيف لي أن أقترب من إنسان مكلوم وأسأله: ما شعورك؟ وكيف أطلب منه وصف ما حدث، وهو الذي ربما يتمنى لو استطاع محو المشهد من ذاكرته؟ وكيف أسأله عما يريد قوله لمن يحاول تفريق الصفوف، وهو الذي لم يعرف يومًا أننا
صفوفًا أصلًا؟ فنحن الصف الواحد من سالف القرون
أدركت حينها أن الحياد الصحفي لا يعني التجرد من الإنسانية، وأن المهنية ليست في انتزاع التصريحات من أفواه المكلومين، بل في معرفة متى نسأل ومتى نصمت احترامًا للوجع.
ثم جاءت العناوين الصفراء، الخبيثة الدنيئة ولا أعمم ، تختزل مأساة وطن في توصيف طائفي، وتضع الجريمة في مواجهة الدين بدلًا من وضع المجرم في مواجهة العدالة. وكأن قرونًا من العشرة والجوار والمواقف المشتركة يمكن أن تمحوها رصاصة، أو أن تاريخ شعب كامل يمكن اختزاله في هوية مجرم.
فالجريمة لا دين لها، والمجرم لا يمثل إلا جريمته، ولا يجوز أن يتحول دم الضحايا إلى حبر يكتب به المتربصون حكاية فتنة لم تكن يومًا حكايتنا.
ولهذا وجدت في قرار النائب العام تقييد نشر بعض تفاصيل القضية ما يبعث على الارتياح، فالحقيقة لا تُبنى على الظنون، والخبر مسؤولية قبل أن يكون سبقًا، وحرية التعبير لا تعني السماح بترويج الشائعات أو تسميم العقول باسم الديمقراطية.
وإلى إخوتي وأهلي وجيراني المسيحيين، أقول:
نحن منكم وأنتم منا.
لم نكن يومًا ضيوفًا على بعضنا، بل جمعتنا أجيال من العشرة وقرون من التاريخ وذاكرة وطن لا تفرّق بين دموع أبنائه.
الفاصل بين بيتي والكنيسة سور، والفاصل بين بيتي وبيت جاري من الجهة الأخرى سور أيضًا. لكن هذه الأسوار لم تُبنَ لتفصل القلوب، بل لتحفظ خصوصية البيوت احتراما
نختلف في صلواتنا، و لا نختلف في وجعنا، ونرفع أكفنا إلى السماء بطرق مختلفة، لكننا حين يُصاب الوطن نرفعها جميعًا بالدعاء له.
واليوم، وبعد أن هدأ شيء من ضجيج الأخبار وبقي صدى الوجع في داخلي، أجد نفسي أمام اعتراف شخصي لم أكن أنوي كتابته.
لقد فقدت والدي قبل أقل من شهر، بعد صراع مرير مع السرطان. وكنت أظن أن وجع رحيله سيبقى الوجع الأكبر الذي لا يضاهيه شيء.
لكنني اليوم، وأنا أستعيد تلك الوجوه والعيون، وصوت الرجل الذي كان يستجدي قطرات الدم قبل أن ينهار باكيًا، أجد أن الألم الذي يسكنني لا يقل وطأة عن ألم اليوم الذي فقدت فيه أبي.
فكما أن فقد الأب يكسر شيئًا في الروح، فإن رؤية الوطن موجوعًا تكسر شيئًا آخر لا يقل عنه وجعًا.
رحم الله من رحلوا، وشفى الجرحى والمصابين، وربط على قلوب أهلهم وذويهم.
أما الذين ظنوا أن الرصاص قادر على تمزيق ما نسجته الأجيال من محبة وأخوّة، فقد جهلوا هذا الوطن وأهله.
فصفوفنا واحدة، ودموعنا واحدة، ووجعنا واحد، ووطننا واحد.
وليخسأ الخاسئون
