Uncategorized

«وكانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها»

القس سامر عازر

ليست كل أمور الحياة قابلة للفهم السريع، ولا كل أحداثها تُمنح لنا مع تفسيرها الكامل. هناك اختبارات نمرّ بها، وأسئلة تسكن أعماقنا، ومواقف تهزّ يقيننا، فنقف أمامها صامتين، غير قادرين على الإحاطة بسرّها. لكن الإيمان يدعونا، كما فعلت العذراء المباركة مريم، أن نحفظ هذه الأمور في قلوبنا، واثقين أن الزمن، أو نعمة الله، سيكشف معناها في حينه.

العذراء مريم هي أيقونة القلب المؤمن الذي لا يهرب من الأسئلة، ولا يتمرّد على الغموض، بل يحتضنه برجاء. فمنذ البشارة، دخلت مريم في سرّ يفوق الإدراك: ابنٌ يولد بقوة الروح القدس، لا من زرع بشر، وتاريخ جديد يُكتب في أحشائها. ومع ذلك، لم تكن كل تفاصيل هذا السر واضحة لها، بل كانت تنمو في الفهم كما ينمو ابنها في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس.

يروي لنا إنجيل لوقا (٢: ٤١–٥٢) حادثة صعود يسوع إلى أورشليم وهو في الثانية عشرة من عمره مع مريم أمه ويوسف. مشهد مدهش: صبي يجلس في الهيكل بين المعلّمين، يحاورهم ويسألهم ويجيبهم، فيُبهر كل من سمعه بحكمته وفهمه. أما مريم ويوسف، فكانا يعيشان قلق البحث، ثلاثة أيام من الألم والحيرة، إلى أن وجداه في الهيكل. وحين عاتبته أمه بلهجة القلب المجروح: «يا بني، لماذا فعلت بنا هكذا؟»، جاء جواب يسوع صادماً ومعلناً في آن: «ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟».

لم تفهم مريم هذا الكلام بالكامل. النص الإنجيلي واضح وصريح: «وأما هما فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما». ومع ذلك، لا نقرأ عن احتجاج أو رفض، بل عن موقف إيماني عميق: «وكانت أمه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها». هنا تتجلّى عظمة مريم، لا في الفهم السريع، بل في الأمانة للسر، وفي الصبر على ما لم يُكشف بعد.

إن القلب، في المنظور الكتابي، ليس مجرد موضع للعاطفة، بل مركز القرار والإيمان والتأمل. حفظُ مريم للأحداث في قلبها يعني أنها كانت تتأملها في نور الله، تضعها أمامه، وتنتظر زمن الكشف الإلهي. فهي التي سمعت من سمعان الشيخ نبوءة موجعة: «وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف»، إشارة إلى درب الآلام القادم. ومع ذلك، لم تتراجع، ولم تطلب فهماً مسبقاً لكل شيء، بل سلّمت ذاتها لمسيرة الطاعة.

كم نحن اليوم بحاجة إلى هذا الدرس الروحي العميق. في حياتنا الشخصية، والكنسية، والوطنية، نواجه أموراً كثيرة يصعب تفسيرها: آلام، خسارات، تأخيرات، وأسئلة بلا أجوبة فورية. نريد تفسيراً عاجلاً، وشرحاً كاملاً، وضمانات واضحة. لكن الإيمان لا يُبنى دائماً على الوضوح، بل كثيراً ما ينمو في حضن الغموض، حين نختار أن نثق بالله أكثر مما نفهم الأحداث. يقول القديس أوغسطينوس:
«الإيمان هو أن تصدّق ما لا ترى، وأجر هذا الإيمان هو أن ترى ما تؤمن به».

وهذا ما اختبرته مريم. ما حفظته في قلبها في صمت، رأت معناه لاحقاً في نور القيامة، وإن كان ذلك قد مرّ أولاً عبر ظلمة الصليب.

إن الله لا يكشف كل شيء دفعة واحدة، لأنه يربينا على الثقة وعلى الرجاء. هو يكلّم قلوبنا قبل أن يشرح لعقولنا، وينير دربنا خطوة خطوة. لذلك، حين نعجز عن الفهم، لسنا مدعوين إلى اليأس، بل إلى الحفظ: أن نحفظ الأمور في قلوبنا، ونضعها في حضرة الله، عالمين أن ما هو غير مفهوم اليوم قد يصير غداً سبب تعزية ونضج وخلاص.

وهكذا تبقى مريم، أم التأمل والصمت المؤمن، معلّمة لنا في زمن الضجيج والاستعجال، تهمس في آذاننا: ليس كل ما لا نفهمه الآن هو ضدّنا، فالله يعمل في الخفاء، ومن يحفظ الأمور في قلبه بإيمان، سيختبر في وقته إعلان النعمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى