هل يمكن للتمرد الفكري أن يثمر في بيئة تخشى السؤال؟

حسن براري
سؤال يتردد في ذهني كلما رأيت بعض المثقفين يصرون على تصدير رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة، مهاجمين كل من يجرؤ على التفكير خارجها. هنا دعوني اوضح في البداية أنني لا أتحدث عن محللين سياسيين وغير سياسيين ولا نشطاء التواصل الاجتماعي الغارقين بثقافة الترندات وجمع اللايكات بل عن مثقفين حقيقيين لهم مكانتهم.
في الأسبوع الماضي، ورغم انشغالي بامتحانات الفصل الصيفي في جامعة قطر، عدت لقراءة “اختراع التقاليد” للمؤرخ البريطاني المميز إيريك هوبزباوم. دفعتني هذه القراءة لطرح أسئلة جديدة قديمة. فمثلا، هل ما نحتاجه فعلاً هو العقل بدل التبرير؟ هل نملك الجرأة على التفكير أم أننا تواطأنا مع الكسل الذهني؟ وهل يمكن لهذا التبرير الساذج أن يظل سائداً؟ كيف يمكن أن نبقى سائرين في حلقة مفرغة من الإخفاقات نتغذى على شعارات براقة وشعبوية زائفة، نخالها وطنية بينما تُبعدنا عن جوهر الوطنية الحقيقي: الفهم، والنقد، والمساءلة ليس فقط للدولة – اي دولة – وإنما للتيارات السياسية الفاعلة؟
نتابع في إعلامنا العربي وعلى بعض الفضائيات العربية بإعجابٍ بعض المفكرين والكتّاب الإسرائيليين، مثل جدعون ليفي وغيره من الكتاب والأكاديميين، الذين يجاهرون بنقد الاحتلال والاستيطان وسياسات حكوماتهم، ويشاد بشجاعتهم. لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا عن الثمن الذي دفعوه بعد أن كسروا السكون ؟
في بلاد الشام، كان صادق جلال العظم من أوائل الذين تصدوا لهذه الأسئلة. في كتابه “النقد الذاتي بعد الهزيمة” لم يصرخ، بل فكّر وحلل بعمق. لم يكن تمرده مجرد لحظة غضب بل مشروعًا كاملاً لنسف التبريرات الغيبية للهزيمة، ولتعرية النخب الفكرية والسياسية التي استبدلت العقل النقدي ببلاغة خاوية. صادق جلال العظم – الذي تربطني بأبنه الدكتور عمر صداقة متينة – كشف عن السذاجة التي تتخفى خلف الشعارات وعن الخوف من مواجهة الواقع والخوف من الوعي.
وعلى الطرف الآخر من الصراع، لم يتأخر الإسرائيليون في إنتاج مؤرخين جدد تمردوا على الرواية الرسمية للدولة من أمثال إيلان بابيه، آفي شلايم، بني موريس وتوم سيغيف وظهر ايضف في نهاية الثمانينيات التيار ال “ما بعد صهيوني” المتمثل بعالم الاجتماع الأبرز باروخ كيمرلينغ. كل هؤلاء غردوا خارج السرب، فدفعوا الثمن. خلافهم لم يكن معنا نحن العرب بل مع المؤسسات الصهيونية التي ضاقت ذرعًا بالحقيقة. طبعا، هاجمهم حراس السردية الإسرائيلية الرسمية، لا لأنهم كذبوا بل لأنهم قالوا ما لا يُراد له أن يُقال. بعد ذلك تخلى بابيه عن جنسيته الإسرائيلية وهاجر، وواجه شلايم المصير نفسه، أما موريس فقد طُرد من جامعة بن غوريون تسع سنوات كاملة، قبل أن تغيّر انتفاضة الأقصى مواقفه وينتقل إلى صف اليمين، مذكّراً بأن التمرد رحلة شاقة، لا يصمد فيها إلا من اختار طريق الفكر دون رجعة.
وفي ضوء هذا كلّه، لا بد أن نسأل أنفسنا، بمرارة ولكن بصدق: ألا يجدر بنا نحن أيضًا أن نتمرد؟ أن نكسر هذا النمط الذي لا يكتفي بتضييق أفق التفكير، بل يمارس نوعًا من المكارثية الفكرية، تخفي وراءها خواءً معرفيًا كبيرًا والذي لا يهاجم المختلف دفاعًا عن الحقيقة بل خوفًا من انكشاف عجزه لأنه يدرك أن الاختلاف مرآة تكشف هشاشته؟ إن حاجتنا إلى التمرد اليوم ليست ترفًا فكريًا ولا نزوة ثقافية بل حاجة وجودية. وهو ليس تمردًا على الهوية، بل دفاع عنها من التكلس والتحنيط.
بكلمة، الصراع على السلطة في اقليمنا العربي هو بين مستبدين: واحد يحكم والأخر ينازعه الحكم.



