
القس سامر عازر
مع إشراقة عام جديد، يتجدد السؤال الجوهري في مسيرتنا الإيمانية: هل نكتفي بعبور الأيام والسنين، أم نجرؤ على الغوص أعمق في سرّ محبة الله؟ إن محبة الله ليست فكرة مجرّدة ولا شعارًا روحيًا، بل هي جوهر الوجود الإنساني ومعنى الحياة الحقيقي.
فمحبة الله شاملة لكل البشر دون استثناء، فكل إنسان هو موضع عناية الله وحنانه، ولا أحد أعظم شأنًا أو أرفع مقامًا أو أكثر حظوة في حضن الله الدافئ من غيره. البشر هم من يصنّفون الناس إلى طبقات وشرائح، ويرسمون حدود القبول والرفض، أما الله فلا يعرف هذه المقاييس الضيقة، لأنه يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. في نظر الله، الكرامة الإنسانية واحدة، والإنسان محبوب لذاته لا لما يملك أو يحقق.
والحياة لا تسير على وتيرة واحدة؛ فهي مليئة بالتقلبات، نختبر فيها الفرح كما الألم، والنجاح كما الخسارة. غير أن الاختبار الأهم، بل الوحيد الذي لا غنى عنه، هو اختبار محبة الله. فبدون هذه المحبة نصبح لا شيء، ويفقد كل إنجاز معناه. محبة الله تعلن لنا أن الله معنا ولأجلنا، وأنه لا يمنع عنا خيرًا، حتى وإن بدا لنا أحيانًا أن الطريق قاسيًا أو غامضًا.
وما قد نتعرض له من شدة أو ضيق أو اضطهاد أو جوع أو عري أو خطر أو سيف، في جهادنا الروحي ونصرتنا للحق الإلهي وسعينا نحو خدمة الإنسان والإنسانية، لا يُعد هزيمة، بل هو انتصار حقيقي. لأننا، وإن خسرنا أشياء كثيرة، فلن نخسر أبدًا محبة الله. في هذه الأمور كلها يعظم انتصارنا، لأن الله وحده هو الديّان العادل، فمن يدين؟ والمسيح نفسه يشفع لنا في السماوات.
ومن هنا تكتسب المحبة بُعدها اللاهوتي العميق، لا كمشاعر عابرة بل كأسلوب حياة وشهادة إيمانية. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
«لا شيء يقرّب الإنسان إلى الله مثل المحبة، ولا شيء يجعل الإنسان شبيهًا بالله مثل أن يحب بلا حدود».
فالمحبة ليست فقط طريقًا نحو الله، بل هي العلامة الأوضح على حضور الله في الإنسان.
من هنا، نحن مدعوون أن نعيش عام ٢٠٢٦ في عمق المحبة الإلهية كما علّمنا إياها السيد المسيح. فالمحبة لا حدود لها، وهي وحدها القادرة على ترميم المجتمعات البشرية وبناء أوطان نابضة بقيم العدالة وكرامة الإنسان. وكل ما يُبنى بعيدًا عن المحبة يبقى سرابًا ووهمًا، مهما بدا قويًا أو براقًا.
فمن يبحث عن الحياة الحقيقية، فليحيا بالمحبة الإلهية؛ تلك المحبة التي تفجّر في القلوب ينابيع ماء حي لا تنضب أبدًا، وتجعل من العام الجديد مساحة رجاء، ومسيرة خلاص، وشهادة حيّة على أن الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه.






