هل نحن بحاجة إلى حمل مصباح ديوجين؟

عمان-الاردن
٢٠٢٦/٣/١٦
القس سامر عازر
لماذا حمل الفيلسوف اليوناني ديوجين Diogenes مصباحه في وضح النهار؟ ألا يبدو هذا المشهد ضربًا من الجنون أو سلوكًا يدعو إلى الاستغراب والتساؤل؟
كان الناس يرونه يسير في شوارع المدينة ومصباحه مضاء، بينما الشمس في كبد السماء. فكانوا يسألونه: ماذا تفعل؟ ولماذا تحمل مصباحًا في وضح النهار؟
فيجيبهم بكلمات قليلة لكنها عميقة الدلالة: «أنا أبحث عن إنسان».
لم يكن يقصد أنه لا يرى الناس، فالمدينة كانت تعج بالبشر. لكنه كان يقصد شيئًا آخر: كان يبحث عن الإنسان الحقيقي، الإنسان الصادق الذي يعيش الحقيقة لا الادعاء، ويقول ما يؤمن به لا ما يرضي الناس، ويقف مع الحق ولو كان الثمن غاليًا. ومنذ ذلك الحين صار مصباح ديوجين رمزًا للبحث عن الحقيقة، وعن الإنسان الذي لم تفسده المصالح ولم تشوّه ضميره حسابات الربح والخسارة. لكن السؤال الأعمق الذي يواجهنا اليوم هو: ألا نحتاج نحن أيضًا إلى مصباح ديوجين؟
نعيش في زمن اختلطت فيه المعايير، وتبدلت فيه الموازين. كثرت الكلمات وقلّت الحقيقة، وارتفعت الأصوات بينما خفت صوت الضمير. صار كثيرون يتقنون فن الظهور أكثر من فن الصدق، ويجيدون صناعة الصورة أكثر من صناعة الموقف. وفي خضم هذا الضجيج يصبح العثور على الإنسان الصادق، صاحب الكلمة الحرة والشجاعة الأخلاقية، أمرًا ليس سهلاً.
إن أزمة عالمنا ليست في نقص المعرفة ولا في قلة الوسائل، بل في أزمة الإنسان نفسه. فالعلم يتقدم، والتكنولوجيا تتطور، لكن الإنسان إن لم ينمُ في ضميره وقيمه يصبح خطرًا على نفسه وعلى العالم. وما نشهده من صراعات وظلم وتراجع في القيم ليس إلا انعكاسًا لفقدان البوصلة الأخلاقية التي توجه الإنسان نحو الخير والحق.
من هنا يصبح مصباح ديوجين أكثر من مجرد قصة فلسفية قديمة؛ إنه دعوة دائمة لإضاءة الضمير الإنساني. فالمشكلة ليست في الظلام الخارجي فقط، بل في الظلام الذي قد يتسلل إلى القلب عندما يفقد الإنسان حسه الأخلاقي.
وفي المنظور الروحي واللاهوتي، لا يمكن الحديث عن الإنسان الحقيقي دون العودة إلى النور الإلهي الذي يكشف الحقيقة، فالنور الذي يكشف الحقيقة ليس مجرد فكرة فلسفية، بل هو حضور إلهي يوقظ ضمير الإنسان ويعيده إلى إنسانيته.
فالإنسان الحقيقي هو ذاك الذي يعيش في النور، لا يخشى الحقيقة ولا يهرب منها. هو الذي يرفض أن يكون شاهد زور في زمن التضليل، ويرفض أن يصمت حين يصبح الصمت مشاركة في الظلم. الإنسان الحقيقي هو من يجعل من ضميره مرجعيته الأولى، ومن الحقيقة طريقه، ومن المحبة رسالته. ولعل السؤال الأهم ليس فقط: هل نحتاج إلى مصباح ديوجين؟ بل: هل نحن مستعدون أن نكون نحن ذلك الإنسان الذي كان يبحث عنه؟
العالم لا يتغير بكثرة المتفرجين، بل بوجود أشخاص يحملون نورًا في قلوبهم، ويضيئون به طريق الآخرين. وما يحتاجه عالمنا اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل إنسانًا صادقًا، شجاعًا، حرًا في ضميره.
ربما كان ديوجين يحمل مصباحًا في وضح النهار لأنه أدرك أن النور الخارجي لا يكفي إن كان القلب مظلمًا. أما رسالتنا اليوم فهي أن نعيد إشعال النور في داخل الإنسان، لأن النور الحقيقي يبدأ من الداخل، من ضمير حيّ لا يساوم على الحقيقة ولا يبيع إنسانيته بثمن. وعندها فقط، لن نحتاج إلى أن نسير في الشوارع حاملين مصباحًا نبحث به عن إنسان…
لأن الإنسان الحقيقي سيكون حاضرًا بيننا، نورًا يهدي الطريق في زمن كثرت فيه العتمة.



