منبر الكلمة

هل ما زال الإنسان الأردني يملك رفاهية الحلم؟

 

عدنان نصّار

في بلدٍ تعلّم أهله منذ زمنٍ طويل أن يُخفوا تعبهم خلف ابتسامةٍ خفيفة، وأن يؤجّلوا أحلامهم احترامًا لضرورات الحياة، يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل ما زال الإنسان الأردني يملك رفاهية الحلم؟
ليس الحلم هنا ترفًا فكريًا، ولا أمنيةً بعيدة تُقال على سبيل المجاز، بل ذلك الحق البسيط الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يتخيّل غدًا أفضل؛ بيتًا أكثر دفئًا، تعليمًا يفتح أبواب المستقبل لأبنائه، فرصة عمل تحفظ الكرامة، أو حتى حياةً أقل قسوة من تلك التي تمضي مسرعة فوق أكتاف الناس.
الأردني، الذي طالما وُصف بالصابر، لم يكن يومًا إنسانًا يطلب المستحيل. كان يكتفي بالقليل إذا شعر بالأمان، ويصبر على الضيق إذا رأى بصيصًا من العدالة، ويتحمّل أثقال الحياة حين يشعر أن التعب مؤقت وأن الغد قد يحمل شيئًا مختلفًا. لكن السؤال الذي يهمس به كثيرون اليوم في البيوت، وعلى الأرصفة، وفي وجوه الموظفين والمتقاعدين والعمال، هو: متى يصبح الصبر نفسه عبئًا ثقيلًا؟ ومتى يتحول الحلم إلى رفاهية لا يقدر عليها الإنسان؟
في الأردن اليوم، لا تبدو المعركة الكبرى سياسية بقدر ما تبدو معيشية وإنسانية. فالأب الذي كان يحلم بتعليم أبنائه في أفضل الجامعات، أصبح يفكر أولًا بكيفية تأمين الأقساط الأساسية. والأم التي كانت تخطط لمستقبل أكثر استقرارًا لعائلتها، صارت تُجري حساباتٍ دقيقةً كل صباح كي لا يسبق آخر الشهر أولَه. والشاب الذي كان يحلم ببيتٍ صغيرٍ وحياةٍ مستقرة، بات يسأل نفسه إن كان مجرد الحصول على فرصة عمل مستقرة حلمًا بحد ذاته.
لقد تغيّرت الأحلام. أو ربما تقلّصت. لم يعد كثيرون يحلمون بالكثير، بل بالقليل الممكن: راتب يكفي حتى نهاية الشهر، فاتورة كهرباء لا تُربك الحسابات، دواء لا يتحول إلى عبء، أو مناسبة عائلية تمرّ بلا قلقٍ من الكلفة.
ورغم ذلك، يبقى الإنسان الأردني حالةً تستحق التأمل. ففي قلب الضيق، ما زال يُصرّ على الحياة. يضحك رغم التعب، ويقف رغم الإنهاك، ويتمسّك بأملٍ صغير حتى حين تبدو الطرق أكثر وعورة. وفي كل بيتٍ أردني حكاية صبرٍ طويلة، لا تُقال كاملة، لكنها تُرى في العيون، وفي تفاصيل الحياة اليومية، وفي قدرة الناس العجيبة على الاحتمال.
غير أن الصبر، مهما طال، لا ينبغي أن يتحوّل إلى سياسة غير معلنة. فالإنسان الذي يُطلب منه أن يتحمّل باستمرار، يحتاج أيضًا إلى ما يمنحه شعورًا بالأمان، وإلى سياسات تُعيد إليه الثقة بأن جهده لا يضيع، وأن مستقبله ليس مجرد احتمال مؤجّل.
السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل ما زال الإنسان الأردني يملك رفاهية الحلم؟ بل: كيف يمكن أن نعيد للحلم مكانه الطبيعي في حياة الناس؟ لأن الأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقٍ ومبانٍ، بل أيضًا بما تزرعه من طمأنينة في قلوب مواطنيها.
فالإنسان حين يفقد القدرة على الحلم، لا يفقد أمنيةً عابرة فقط، بل يفقد جزءًا من إيمانه بالغد. والأردني، الذي صبر طويلًا، لا يستحق أن يُطلب منه الاكتفاء بالصبر وحده، بل أن يُمنح أسبابًا جديدة للأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى