هل ترامب المسيح الدجّال؟

آفاق نيوز _ قدّم تاكر كالرسون الاعلاميّ الاشهر في امريكا والعالم ما اعتبره أنّه أخطر مونولوغ في تاريخ السياسية الامريكية، ولأكثر من ساعةٍ انتقد فيها ترامب بشدةٍ وتساءل هل هو المسيح الدجال؟.
وذكر كارلسون أنّ ترامب ليس شخصًا متدينًا ولا يهتم بالدين ولكنه أدلي بآراءٍ لها علاقة بالدين، بدا وكأنّه يوجّه إهانة إلى أكبر ديانتين في العالم، المسيحيّة والإسلام. ثم هاجم بابا الفاتيكان شخصيًا، وقال إنّه “أصبح البابا فقط بسببي، إنّه سيء. البابا سيء”.
ثم قام بمشاركة صورة تظهره كأنّه يسوع، ويشفي رجلًا. ثم نسخة معدّلة من الصورة فيها عنصر شيطاني فوقه. ثم قام بحذفها، ويعلق تاكر: “إنّها سخرية، إنّه يسخر من يسوع. إنّه يستهزئ بالمسيحيّة. وقام كارلسون باقتباس بعض نصوص الكتاب المقدس محاولاً إسقاطها على ما قام به ترامب، وهذه النصوص تشير إلى المسيح الدجال وتساءل: هل يمكن أنْ يكون هذا هو المسيح الدجال؟ حسنًا، من يدري؟ على الأقل هذا هو استنتاجيّ.
كما أشار كارلسون إلى إنّ الدين المدنيّ الحقيقيّ للسلطة الأمريكيّة اليوم ليس المسيحية، ولا العلمانية المحايدة، ولا حقوق الإنسان العامة، بل جعل دعم “إسرائيل” معيارًا أعلى من كل شيءٍ، والولاء لها هو خط الإيمان والخيانة، وانتقادها بمثابة “تجديف” ايْ كفر، وجعل مَنْ يخرج عن هذا الخط يُعاقب سياسيًا وإعلاميًا وأخلاقيًا، وجاء ذلك لأن الولايات المتحدة جعلت أهم سياساتها الخارجية هي الدفاع عن “إسرائيل”.
ومن هم الأعداء الرئيسيون كما يحددهم رئيس الولايات المتحدة داخليًا؟ إنهم الأشخاص الذين يشككون في “إسرائيل”، والذين يقفون في طريق أهداف الحكومة العلمانية لإسرائيل، وهذا يشمل البابا. وكيف تعرف أن هذا هو الأمر؟ لأنّ هذا هو الشيء الوحيد المشترك بينهم جميعًا.
المشكلة مع البابا ليو أنّه انتقد الحرب مع إيران، التي شُنّت بالشراكة مع إسرائيل، ولصالح إسرائيل، وبتحريضٍ من “إسرائيل”.
الكاثوليكية ضدّ الصهيونية
استشهد كارلسون بتصريحات ليندسي غراهام والبودكاستر باتريك بيت ديفيد في هجومهم علي بابا الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، بالقول إنّ الكاثوليك يكرهون اليهود ولديهم مشكلة معهم، وايضًا انتقاد موضوع اجتماع الكاثوليك على قائدٍ واحدٍ مثل البابا.
يكمل كارلسون: إنّه هجوم على أقدم وأكبر طائفةٍ مسيحيّةٍ في العالم (الكاثوليك)، ويجري علنًا، وكلّ هذا يأتي من المصدر نفسه، وهو إسرائيل. القضية هي إسرائيل. أيّ شخصٍ يدعم حكومة نتنياهو، أيّ شخصٍ يوافق على كلّ قرارٍ لها، مهما كان عنيفًا أوْ مشوهًا أوْ إباديًا، فهؤلاء هم الناس الطيبون، وأيّ شخصٍ لا يفعل ذلك فهو نازي، ودينه نفسه دين نازي، دين معادٍ للسامية بطبيعته، هذا ما يقولونه لك علنًا. وهذا النوع من الاستخفاف العابر، والسخرية، والازدراء، لأقدم وأكبر كنيسةٍ مسيحيّةٍ، أمرٌ مدهشٌ فعلًا.
تبجيل واحترام ترامب لليهود مقابل ازدراء المسيحيّة
هنا يحاول كارلسون اعطاء دليلٍ اخر على أنّ دين ترامب والحكومة الامريكيّة هو الاسرئيلاوية، ويقول: المثير للاهتمام أنّ هناك ظروفًا معينة يُظهر فيها ترامب تبجيلًا صادقًا، هناك ملامح إيمان ديني حقيقي هنا، وليست كما تتوقع. واعطي مثالا على ذلك بمقطع فيديو يظهر دونالد ترامب قبل آخر انتخابات في أكتوبر 2024، يزور قبر رجل يُدعى الحاخام مناحيم شنيرسون، الذي كان وهو زعيم طائفة أرثوذكسية يهودية كبيرة، اسأل نفسك: هل يمكنك تخيل دونالد ترامب يوجّه رسالةً يسخر من الحاخام شنيرسون؟ بالطبع لا يمكنك تخيل ذلك تحت أيّ ظرفٍ، لأنّ هذا لن يحدث أبدًا. ترامب لن يُسمح له أنْ يفعل ذلك، وهو نفسه لن يخطر في باله أصلًا أن يفعل ذلك. لكن إرسال صورٍ متعددةٍ تسخر من يسوع؟ لا مشكلة إطلاقًا. إذن هذا يعطيك إحساسًا أدق بماهية ديننا المدني (دين الدولة) فعليًا.
كارلسون أعطى مثالاً على ذلك وهو اقامة حفلٍ تذكاريٍّ يمتد 8 أيام لإحياء ذكرى الهولوكوست. نحن نتذكر فقط ضحايا من إثنيةٍ واحدةٍ بعينها خلال هذه الأيام الثمانية، بالإضافة إلى يومٍ تذكاريٍّ آخر أيضًا منصوص عليه في القانون الأمريكيّ، إذن لدينا في المجموع 9 أيام تذكارية لمجموعةٍ واحدةٍ من الضحايا في حربٍ قتلت عشرات الملايين من البشر عالميًا. هؤلاء غير مُتذكَّرين، وهذا لا يعني أبدًا التقليل من احترام الضحايا اليهود في الهولوكوست.
معاداة السامية
بعد ذلك تكلم كارلسون عن “معاداة السامية”، والتي يعتبرها في صميم هذا الدين المدني الجديد (الاسرائيلاوية). وقال إنّ المشكلة الحقيقية تكمن في أنّ كثيرًا من الأمثلة التطبيقية الواردة في هذا التعريف تتعلق بانتقاد إسرائيل وسياساتها، لا بكراهية اليهود بوصفهم يهودًا، وهنا يرى أنّ القضية تحولّت من مواجهة العنصرية إلى تجريم التفكير غير المرغوب فيه سياسيًا.
وتابع: هذا التعريف لم يبقَ في مستوى الجدل الفكريّ أو الأخلاقيّ، بل دخل إلى القانون والسياسات العامة في عددٍ كبيرٍ من الولايات الامريكية والبلديات والمؤسسات، بل وحتى في بعض الدول في اوروبا والعالم والنوادي الرياضية.
وذكر إنّ أوكرانيا جعلت انتقاد إسرائيل مساوٍ لمعاداة السامية، جناية قد تصل عقوبتها إلى السجن ثماني سنوات، وتساءل: كيف يُسجن إنسان في بلده بسبب رأيٍ في دولةٍ أخرى؟ كيف يصبح الرأي في دولةٍ أجنبيّةٍ أوْ في حربٍ خارجيّةٍ مدخلًا للتجريم أو للعقاب أو للمراقبة؟ اسرائيل اصبحت من الامور المقدسة لا يجوز الاقتراب منها، ومن يقترب منها لا يُناقش فحسب، بل قد يُخوَّن أوْ يُرهب أوْ يُعاقَب. وهنا رأى أنّ الخطر الحقيقيّ ليس فقط في القمع السياسيّ، بل في الانتقال من معاقبة الأفعال إلى معاقبة الأفكار نفسها.
وما يسميه كارلسون (الإسرائيلاوية) ليس مجرد انحيازٍ سياسيٍّ لإسرائيل، بل عقيدة مدنيّة شموليّة تعيد ترتيب سلّم المقدسات والمحرمات في أمريكا: فالسخرية من المسيحية ممكنة، أمّا الاقتراب من إسرائيل فممنوع، وانتقاد إسرائيل لا يُعامل بوصفه خلافًا سياسيًا، بل بوصفه خطيئة أخلاقية. ولا يكفي أنْ تضبط كلامك، بل يُطلب منك أنْ تغيّر تصوراتك ومشاعرك واستنتاجاتك نفسها.
ولذا يعتبر كارلسون أنّ أمريكا باتت تحت دينٍ مدنيٍّ جديدٍ يفرض الولاء لإسرائيل بوصفه معيار الفضيلة، ويحوّل الاعتراض إلى شبهةٍ، ثمّ إلى وصمةٍ، ثمّ إلى ما يشبه “جريمة الفكر”.



