
هدمنا أصنام الحجر… فصنعنا أصنام البشر
عادل فندي الحتاملة
قديما كان الإنسان ينحت صنمه من حجر، وبعدها يقف أمامه خاشعًا، يطلب منه الحماية، ويُقدم له القرابين، ويمنحه من التقديس ما لا يستحقه حجرٌ صامت لا يسمع ولا يرى ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا.
الى ان جاء التوحيد ليهدم تلك الأصنام، ويحرر الإنسان من الخضوع للحجر، ويعيد للعقل مكانته، وللإنسان كرامته، وللعبادة معناها.
ولكن السؤال المهم
هل انتهت صناعة الأصنام فعلًا؟؟؟؟
أم أننا اكتفينا بهدم أصنام الحجر، ثم بدأنا نصنع بأيدينا أصنامًا من بشر؟
فالصنم ليس بالضرورة ان يكون قطعة من حجر.
فقد يكون الصنم إنسانًا نرفعه فوق مكانته، ونمنحه هالة من القداسة، ونُغلق أمامه أبواب النقد، ونبرر أخطاءه، ونبحث له عن الأعذار، ونصمت أمام تجاوزاته،
وهنا لا اتحدث عن العبادة بمعناها الديني، وإنما عن عبادة اجتماعية وفكرية تجعل الإنسان يفقد استقلاله أمام إنسان آخر.
لأنه قد يتحول المسؤول إلى صنم، والمشهور إلى صنم، والمثقف إلى صنم، والزعيم إلى صنم، وحتى صاحب المال والنفوذ يتحول إلى صنم.
وحاليا نرى ثلاثة أنواع من الأصنام:
– صنم السلطة وهو الشخص الذي لا يُناقش.
– صنم الشهرة وهو الشخص الذي يُصدَّق لأنه مشهور.
– صنم الجماعة وهو الشخص الذي ندافع عنه لمجرد أنه “من جماعتنا”
فالصنم الحديث لا يحتاج إلى معبد، فقد يكون معبدة مكتبًا او شاشة هاتف، او حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهو لا يحتاج إلى بخور أو قرابين، ولكن يكفيه التصفيق… والتملق… والمبالغة في المدح… والدفاع عنه حتى عندما يكون مخطئًا.
فالإنسان القديم كان يطوف حول الصنم، أما الإنسان الحديث فقد يطوف حول الاصنام البشرية بالكلمات، او بطلب المصالح او بالمديح بحثًا عن رضاهم.
وبعد هذا يفقد قدرته على قول :”لا” وهنا تبدأ المشكلة، لأن الإنسان عندما يفقد حقه في أن يقول «لا» لشخص، منحه حجما أكبر مما يستحق، فأنه سيبقى خاضعا له بكل شي.
وهناك فرق كبير بين الاحترام والتقديس، وبين الإعجاب والتبعية، وبين التقدير وإلغاء العقل.
ليس هناك مانع من أن نحترم الناجح، وأن نقدرّ العالِم، وأن نُعجَب بالمبدع، وأن نجلّ صاحب الخُلق، وأن نحترم المسؤول في حدود منصبه.ولكن ليس لدرجة ان نعتقد انه معصوم من الخطأ، لأنه ليس هناك بشراً معصوم من الخطأ لأن الإنسان يبقى إنسانًا، مهما ارتفع اسمه.
المشكلة تبدأ عندما نقول:
هو كبير اذن فهو لا يخطئ،
هو مشهور، إذن كلامه صحيح،
وهو مسؤول، إذن قراره لا يُناقش.
هو صاحب نفوذ، إذن علينا أن نتقرّب منه.
وهو من جماعتنا، إذن علينا أن ندافع عنه حتى لو كان على خطأ.
وبهذا نصنع الصنم بأيدينا، ونضع له الهالة حول اسمه، وبعدها نضع حول الهالة جدارًا من التبرير، ثم نضع حول الجدار سياجًا من الخوف، ثم نطلب من الآخرين أن لا يقتربوا منه.
وبعد كل ذلك نتساءل: كيف أصبح هذا الإنسان فوق النقد؟
والجواب بسيط للغاية أننا نحن الذين رفعناه إلى هناك، وحينها يصبح الدفاع عنه أهم من الدفاع عن الصواب.
وأخطر الأصنام التي يصنعها الانسان بنفسه لأنه يمنحه الشهرة حيث يستطيع أن يصنع من شخص عادي أسطورة، ثم يمنحه المكانة والحق في أن يقول ما يشاء دون أن يسأله أحد: هل هذا صحيح؟
ونلاحظ انه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت صناعة الأصنام أسرع من أي وقت مضى، لأن صورة واحدة قد تصنع مشهورًا، او مقطع واحد قد يصنع خبيرًا، وتجد له آلاف المتابعين المغيّبين عن الحقيقة.
وهنا تبدأ الجملة الخطيرة:
(طالما أن الجميع يتبعه، فلا بد أنه على حق).
وقد نجد أن بعض الناس لا يريدون من الصنم أن يكون عظيمًا فقط.
بل يريدونه أن يبقى عظيمًا مهما فعل.
فإذا أخطأ قالوا: له أسبابه، ولكن إذا فعل الأمر نفسه شخص آخر وقد يكون يريد مصلحتهم ، فإنهم يسمونه ظلمًا وكذبًا وفشلًا وانحرافًا.
وهنا فالإنسان لا يحكم على الفعل.
بل يحكم على صاحب الفعل.
فإذا أحبه أصبح الخطأ مبررًا.
وإذا كرهه أصبح الصواب جريمة.
وهذه هي وثنية العقل، فالصنم الحقيقي ليس من نعبده بل هو من نُعطل عقولنا أمامه.
لذلك فإن أخطر الأصنام ليست التي خارجنا بل التي تسكن في داخلنا، ومنها:
صنم الخوف، صنم الشهرة، صنم المال، صنم المنصب، صنم الجماعة، صنم “ما يقوله الناس”، ويمكن الأخطر صنم “لا تخالف فلانًا”، وصنم “ماذا سيحدث لي إذا قلت الحقيقة؟”.
فالإنسان قد يهدم آلاف الأصنام ، ولكنه يحتفظ داخل نفسه بصنم صغير اسمه:
الخوف من الناس.
ولذلك إن تحرير الإنسان الحقيقي لا يكون فقط بتحطيم الأصنام من حوله، وإنما بتحرير عقله من الخضوع الأعمى.
فعلينا أن نحترم دون أن نقدسّ،
وأن نحب دون أن نتبع بلا تفكير.
وأن نختلف دون أن نكره.
وأن ننتقد دون أن نُهين.
وأن نعترف بفضل الإنسان دون أن نجعله فوق الحقيقة، وأن نقول لمن نحبه قبل من نكرهه:
أحسنت عندما أحسن، وأخطأت عندما أخطأ لأن الحقيقة لا تتغير بتغير الأشخاص
والخطأ لا يُصبح صوابًا لأن صاحبه مشهوراً، والباطل لا يُصبح حقًا لأن خلفه جمهورًا كبيرًا.
ففي الماضي هدمنا أصنامًا كانت من حجر، ولكن التحدي الحقيقي اليوم هو أن نسأل أنفسنا:
كم صنمًا بشريًا صنعناه نحن، ومنحناه أكثر مما يستحق ؟
وكم مرة دافعنا عن إنسان لأننا نحبه، رغم أننا نعرف أنه مخطئ؟
وكم مرة خفنا من قول الحقيقة لأن صاحبها أقوى منا؟
وكم مرة جعلنا من إنسان عادي شخصية لا يجوز الاقتراب منها لأنه يخدم مصالحنا ونحصل على ما هو ليس حقٌّ لنا؟
فربما آن الأوان أن نعيد النظر، فليس المطلوب أن نهدم الأشخاص، بل أن نهدم الهالة التي صنعناها حولهم ونضعهم في مكانهم الطبيعي من حيث انهم
بشرًا… يخطئون ويصيبون.
فأصنام عصرنا لا تقف فوق منصات من حجر بل انها ترتدي بدلة أنيقة أو تجلس خلف مكتب فاخر أو تظهر على شاشة هاتف أو تمتلك ملايين المتابعين، وهذا الصنم لا يطلب منك أن تسجد أمامه،
ولكن يكفيه أن نتخلى عن عقولنا عندما يتحدث وأن نبرر أخطاءه ونمدحه أكثر مما يستحق وأن نجعل رضاه أهم من الحقيقة.
وهنا… يبدأ الصنم في التشكل، فإذا كان الإنسان القديم استطاع ان يهدم صنم الحجر ليحرر نفسه… فعلى إنسان اليوم، أن ينتبه ألا يهدم صنمًا بيد… ثم يصنع صنمًا من بشر باليد الأخرى، لأن أخطر الأصنام ليست التي تقف أمام أعيننا على منصات الأحجار بل تلك هي التي تسكن في عقولنا، ونحرسها نحن بأيدينا.
وأخيرا………………..
( لقد هدمنا أصنام الحجر لنحرر عقولنا، ولكن في زمننا الحديث بدأنا نصنع أصنامًا من بشر، ثم نحرسها بعقولنا، ونحميها بتبريراتنا، ونطوف حولها بالتصفيق)
